Skip to content
3
Jun

عن الرئيس ومرافقيه

عدد قليل ممن أعرفهم يأخذون الرئيس على محمل الجد، يحللون مواقفه، أفكاره، سياسته، يعملوا على قرأة الواقع شديد الغموض المحيط بالرجل وبخلفيته وأفكاره عن مستقبل الدولة وعن الدور الذي يراه لنفسه، وعن فهمة للعالم، والسياسة، بإختصار يحاولون الإجابة على سؤال هل سيتطور السيسي أم سيبقى في إطار أول شهور 30 يونيو؟

على جانب أخر لا ترى الغالبية العظمي سبيل لفهم الرجل، كثير منهم لا يفهم كلامه المتقطع، أو الجمل غير المكتملة في أحاديثه، لا ينظر أي منهم لأي سياسية أو قوانين أو لتشكيل الدولة المصرية، وبشكل أدق لا يدرك أي منهم أن هناك قوانين وسياسات ومصادر عديدية للمعرفة يمكنها أن تجعلك قريب من فك الغموض الذي لا يزال أعتى من ضباب الشتاء. وبإختصار أيضا لا يحلل أي منهم ما يحدث وفي إعتقادي قد يكون ذلك لثلاثة أسباب أولهم: كونهم يرغبون بأن يكونوا مثاليين أو أناركيين أو غيرها من الأوصاف والقناعات التي تأتي لشباب في مقتبل العمر أو لشيوخ فقدوا رصانتهم، ثانيهم: أنهم يرون أن أول شهور 30 يونيو هي كفيله بالحكم القاطع على مستقبل هذه البلاد. ثالثهم: يكون أصابه وأمتلكه اليأس وهو أكثر الأطراف عقلًا في المجموعات الثلاثة السابقة.

وبالرغم من المجموعتين السابقتين، لا ينفي هذا أن هناك خلل عريض ورئيسي في رؤية الدولة والرئيس للعديد من الأمور ومنها فكرة المرافقين في الزيارات الرسمية، ولكي أبسط المسألة دعني أعطيكم مثال.

تخيل معي يا عزيزي أن رئيس دولة غانا ذاهب في زيارة إلى الولايات المتحدة، وأصطحب معه كل مشاهير غانا، الممثلين والمخرجين والمطربين ولاعبي كرة القدم ومقدمي البرامج – وبغض النظر أن كل مشاهير غانا دون إستثناء لا أحد يعلم عنهم أي شيئ خارج حدود غانا بالرغم من أنهم يملكون أقوى فريق لكرة القدم في إفريقيا- لكن كيف يمكن أن يكون هذا مفيد على أي صعيد؟ ما الذي يمكنهم تحقيقه؟ من سيقابلون؟ وهل يعتقد رئيس غانا أن صانعي القرار في الولايات المتحدة يتنظرون مقابلة مذيع في إحدى المحطات حتى يفهموا ما يدور في غانا؟ هل لا يوجد شخص واحد في غانا يفهم كيف يدور العالم؟ وكيف يتم تحليل زيارة رئيس مع عدد من مشاهير البلاد؟

اليوم قرأت من السيد/ حمدي رزق مقال عن زيارة مشاهير الإعلام المصري هو للدعم الشعبي، وذكر تحديدًا “هل المطلوب تحديدا أن يذهب الرئيس إلى رحلات أوروبا وأمريكا دون ظهير شعبى” وبغض النظر عن أن السيد/ رزق يبدو هو الأخر كغيره لا يدرك كيف يدور العالم من حولنا. ذكرتني هذه الجملة بوصف لتوفيق الحكيم في كتاب “عودة الوعي” لمظاهرات تأييد جمال عبد الناصر.

إن الدول يا سيدي لا تدرك وجود ظهير شعبي أو تأييد مجتمعي لرئيس إحدى الدول من عدد المشاهير المرافقين له، فالتاريخ يمتلئ عن أخره بحاشية السلطان والذي كانوا بالفعل مفيدين في العصور الوسطى ولكن ليس الأن يا سيدي.

وبنهاية هذا المقال أود أن أذكر للسيد/ حمدي رزق ما هي الإحتمالات لفهم زيارات الرئيس السيسي بمشاهير مصر.

الإحتمال الأول: سيدرك العالم أن هذا الرئيس ما هو إلا رجل يفكر بعقلية نظام قمعي، بإختصار ستكون الصورة كالتالي: كجنرال من أمريكا اللاتينية يلتف حوله مجموعة من مشاهير البلاد، ورجال أعمال ينتفعون من النظام مقابل تأييدهم له علنًا.

الإحتمال الثاني: لن يحقق أي من هولاء المشاهير أي فائدة للمصالح المصرية، وهي الغاية الأساسية التي يجب أن تكون هدف أي خطوات تقوم بها الدولة أو الرئاسة.

الإحتمال الثالث: أن الرئيس يستخدم كل هولاء المشاهير للترويج له في الداخل، وهم المصدر الوحيد لبناء المعرفة والوعي المجتمعي بأهمية ونجاحات الرئيس. وهو ما لا يمكن تحقيقه يا سيدي، وذلك وبصدق لأنه “كان غيرك أشطر”.

بإختصار يا سيدي الظهير الشعبي يٌخلق بالإصلاح للنظام المصري وليس بطائرات ممتلئة بمشاهير، بإصلاح منظومة الإعلام لا السيطرة عليها، بإصلاح النظام القضائي لا التقرب منه، بإصلاح النظام الإقتصادي وفتح السوق وجعله تنافسي وشفاف وبأنظمة واضحة وواحدة للجميع. بوضوح رؤية النظام الحالي حول كيفية بناء نظام يشارك فيه الجميع ويقوم على سيادة والمساواة أمام القانون للجميع، تخلق من خلال مجتمع مدني تتعاون معه الدولة لا تخونه وتعيق أعماله كأنهم يقومون بإجرام لمحاولة الإصلاح.، يخلق بفهم حقيقة واحدة أن العالم لا يمكنه أن يقف عن حدود القرون الوسطى وأنظمة الإتحاد السوفيتي.

وقتها سيكون الظهير الشعبي ثابت ولا يحتاج من يبرهنة، ولن يتمكن الأخوان أو أي دول منافسة أن تستغل نقاط الضعف التي نعمل لتغطيتها بوسائل ذائفة، ووقتها يا سيدي لن نحتاج أن نسمع منك أو من غيرك من الإعلامين أو مشاهير هذه الزيارات أن المؤامرة الكبرى تحاك حولنا وأن علينا أن نتغاضى عن كل شيئ لنضمن أن نحيا، ووقتها أيضا لن يكون هناك كل هذا العجز في فهم العالم لأننا وببساطة سنكون جزء منه.

19
May

سأجعله سعيدًا

by Mahmoud Farouk

عن أهمية التضامن الإنساني مع محمد أبو تريكة

في أوائل التسعينات، داخل شقة صغيرة في قرية معظم قاطنيها من الفلاحين – تراهم يمرون في أول النهار وأخره يتقدمون بهائمهم- وعدد ضئيل من العمال والموظفين العمومين وعلائتهم.

كنت أنا وأخي ووالدي، برقاب معلقة لأعلى وأعين لا تبتعد عن شاشة التليفزيون جالسون على الأرض وسط الكثير من عيدان القصب ، أخى ووالدي لم تبعتد أعينهم عن الشاشة – فقد كانت مباراة لكرة القدم بين المنتخب المصري ومنتخب أخر- أما أنا فكنت أكثر تركيزًا مع القصب ومع أصواتهم التي ترتفع بين الحين والأخر. لم أفهم ما الشيق في هذه اللعبة، فقد كانت غامضة وأحيانًا سيئة.

بعد عشرة سنوات على هذا الموقف وخلال الدراسة بالجامعة، وجدتني أتابع الدوري المصري- وللحق فقد غمرتني كرة القدم- ومن يومها وأنا أجد مشاهدة مباراة واحدة من مسببات الدهشة والسعادة. وقتها كان محمد أبو تريكة قد بدأ نجمة، وخلال متابعتي للدوري المصري كان محمد أبو تريكة “الإرهابي” واحد من أكثر لاعبي مصر إمتاعًا.

الأسبوع الماضي أعلنت السلطات المصرية أو القضاء – على قدر تفضيلك وتحليلك- تجميد أموال محمد أبو تريكة، لأنة وببساطة يدعم الإرهاب، وبالرغم من الأسئلة الكثيرة حول جدية وكفاءة التحليل والمعلومات المؤدية للقرار، وإن كان له بعد سياسي من عدمه، وإن كان عقابًا للرجل على مساندته لمحمد مرسي، أو إن كان بداية لحقبة جديدة، وإن كان مجاملة من القضاة أنفسهم فيكونوا كالدبة التي قتلت صاحبها.

كل هذا في الحقيقة لا يعنيني، فهذا المقال لن يناقش مدى نزاهه القضاء المصري، أو مدى كفاءة أجهزة الشرطة في رصد المجموعات الإرهابية دونما الضرر بحريات المواطنين وممتلكاتهم، أو حتى تحليل أن مساندة والدفاع عن أبو تريكة هي دفاع عن الإرهاب ومهاجمة للنظام والمصالح المصرية.

هذا المقال هو أقرب للدعم الإنساني – والذي نفتقد لوجوده فى مجتمعنا – حينما جائتنى فكرة كتابته، كنت وكما العادة مع الصديق الأوفى بلاتو نعبر شوارع وسط القاهرة الفارغة من المارة والمحلات والخلق الباحثين عن الرزق.

كنت في غاية الضيق على حال الذين يسعدوننا ونذبحهم بدم بارد على المستويين الخاص والعام. تذكرت حال الرئيس/ محمد نجيب وحجزه ببيته ما يزيد عن عشرون عامًا دونما حتى أن يتمكن من حضور جنازة ولدة. تذكرت حال الفريق/ سعد الدين الشاذلي ومعاقبته على رؤيته وأرائة، تذكرت مصطفى النحاس، وأحمد سيف الإسلام عبد الفتاح وعدم  تقدير كل ما قام به من أجل بلادنا، والممثلين محمد فوزي وإسماعيل يس، وغيرهم مئات الحالات –والتي حتى لا أتفق معهم فكريًا ولكني لا أرى سبيل لحياتنا في إتعاسهم- التي إنتهت حياتها ببؤس بعدما أضافوا شيئ سعيد في حياتنا، وإنتهت حياتهم في فقر مدقع نتيجه لقرارت غبية كتلك التي تقوم بها الحكومة المصرية الأن، تذكرت كيف مرت حياة هولاء الأفراد دونما أن يساندهم أحد، إما عن نسيان وإما عن إنشغال.

كانت الفكرة في البداية أن أكتب عن حملة يقوم بها كل فرد يؤمن بسماحة ونقاء هذا الرجل، أن يدفع عشرة جنيهات –كرمز ومساندة مالية- وتجميع هذه الأموال لصالح أبو تريكة – فالدولة أخذت أمواله ومن يعلم إن كانت ستعود أم لا ومتى – ولكني عدلت عن الفكرة لكثرة التعقيدات الموجودة بها – وإمكانية تحميل منفذيها لمشكلات أمنية وزيادة المشكلة لا حلها- وبعدما قرأت حوار محمد أبو تريكة ذاته في جريدة الأهرام والتي جعلتني أشعر أن هناك أمل للرجل في إسترداد أمواله، وأن محاولتنا في مساندته ماليًا قد تعود عليه بضرر أكثر من نفع.

بعدها تحولت الفكرة في رأسي وإستلهمتها من كثير من الأفلام الأمريكية التي يقوم خلالها المجتمع بالقيام بمساندة إنسانية لشخص يؤمنون به – مساندة في هدوء وبعيد عن الإدعاء- وهي بإختصار أن يقوم الأفراد بإرسال خطابات تحمل ما تحمل من صور، خطابات مكتوبة، هدايا من أي نوع، يعبرون من خلالها عن تضامنهم مع هذا الشخص وعن حبهم له.

وهو ما أدعوكم إليه، أن تقوم/ي خلال أي من أيام الأجازة، بكتابة خطاب أو بطباعة صورة أو أي شيئ تراه قد يعبر عن حبك وتقدريك للرجل ووفاءًا منك بإسعادة والوقوف بجنابة، وأن ترسلها له في عنوان بيته، أو عنوان أهلة، أو حتى على عنوان النادي الأهلي، أو على قناة النادي الأهلي، دونما الحديث بالسياسة أو نظام الحكم، فقط لكرة القدم وأدب الرجل وأخلاقة.

وفي نهاية المقال أقول لأبو تريكة- وبالرغم من عدم معرفتي به شخصيًا – جملة من جمل الإمام الشافعي، والتي أراها فيه، ولتبقى سندًا له:

وكن رجلا على الأهوال جلدا ….. وشيمتك السماحة والوفاء

12
May

كلينتون الجعان

by Mahmoud Farouk

في تحيليل إستقالة وزير العدل

كلمة “جعان” هي الكلمة الأكثر شهرة التي يستخدمها كل شخص طبقي ضد الأخرين، وهي بالضبط محتوى ومعنى كلام وزير العدل السابق، وكذا زميلة في “القضاء الشامخ” الرئيس السابق لمحكمة جنايات القاهرة حين وصف الزبال بأنه يربي أولادة على الشحاته وقال تحديدًا “العرق دساس”.

بعد إستقالة وزير العدل، الذي قد يعتقد البعض إنها أسعدتني، أود التعقيب على ثلاثة أمور:

أولهما: أتمنى أن تتوقف الحكومة عن الكذب، فمن خبر الإستقالة – الذي نشر في جميع الصحف بنفس الكلمات والذي إنما يدل وبإختصار إنها كتبت إما في رئاسة الجمهورية أو في أحد أجهزة الأمنية- والتي كان يجب أن تكون إقالة – ولكنها كما هي عادة حاكمي البلاد لا يوجد من يقف أمام الخطأ بصلابة لتغيير واقعنا الزائف -، وأرغب هنا بدعوة سلطان البلاد والعباد وغيرهم من حاكمي هذا الزمان أن يقرأو كلمات الرجل “المستقيل بسبب زلة اللسان” وتأكيدة على أنه لم يتراجع عن موقفه وأنه عائد للقضاء ليحكم بين أناس يؤمن أن منهم الصالح والطالح بالميلاد. والمؤمن أن المساواة تكون فقط عند اتحاد المراكز القانونية، وهو الذي يذكرني بإمتياز بهذا المشهد من فيلم لينكولين.

ثانيهما: في المقال السابق وهذا المقال، أنا لا أتحدث عن إلغاء الطبقات بين البشر، فالبشر كانوا وسيظلوا كذلك، سيظل هناك الفقير والغني، الجيد والسيئ، الجميل والقبيح. لكني أتحدث  ببساطة عن أن الطبقية وإحتقار البشر لإختلافهم لكونهم أفقر، أو نساء أو مسيحين هو أمر غير صحيح وخاطئ بكل المعاني حتى وإن أختلف معي رافعي رايات النسبوية في هذا الزمان وهم كثر.

ثالثهما: بالعودة إلى الولايات المتحدة، قد لا يعلم الكثير منكم أن الرئيس الأهم في التاريخ الأمريكي “إبراهام لينكولين” كان إبن لآب مزارع فقير، ولم يتعلم، وعلم نفسه بنفسه، وكان أبوة يأجرة ليعمل لدى أخرين ويأخذ هو المردود المالي، لم يكن هذا الرجل “جعان” بالمعني المصري المريض، ولم تلمع عيناه أمام كل ما لم يراه في حياته، وهكذا أيضا فقد كان والد الرئيس “بيل كلينتون” بائع للمعدات الثقيلة، أو بكلمات أخرى “بياع في شارع السبتية” وأضحى الرجل رئيس لأكبر دولة بالعالم، وهو كذلك لك تلمع عيناه ولم ينهار ولم يكن عرقة دساس.

إن مجتمعنا يحتاج إلى إحترام المختلفين، والنظر إلى كل من يعمل بأي مجال على أنه يقدم شيئًا، لا الزبال ممتهن يستحق العطف والشفقة، فهو يقوم بما عليه أن يقوم به، وعمله ليس عيب، ولا الكاتب جالس فى تكييف، ولا رجل الأعمال ياقته بيضاء وبطنة ممتلئة بعرق العمال، ولا الفيلسوف رجل كان أو إمرأة شخص فارغ ولا يجد ما يفعله. نحتاج إلى التوقف في الحكم على الأفراد من أين هم وماذا يملكون، نحتاج أن نحكم عليهم كم حاولوا وكيف غيروا حياتهم وحياة من حولهم، نحتاج إلى الترفع عن التظاهر، ونحتاج إلى القيام بما نرتاح له والبحث عن الحق والخير والجمال. نحن نحتاج في حياتنا إلى رجال كإبراهام لينكولين أو ثاديوس ستيفنز.

11
May

شكرًا وزير العدل

by Mahmoud Farouk

حديث طبقية المجتمع المصري

كعادة اليوم بدأ مع أصوات رافع الطوب في العمارة المجاورة، ونظرات بلاتو الغارقة بالتفهم والمستعدة لتجول بداية اليوم، نزلنا أنا وهو، حدثته قائلا: هل تشعر أن الجو اليوم مختلف، أشعر كأن هناك مطر؟ كعادتة نظرإلى ولم يرد. أبقيت نظري على مكان سكن صديقة بلاتو التي تعرضت لحادث سيارة منذ أيام، علني أجدها وأطمئن، لكنا كما العادة لم تظهر.

عدنا إلى البيت، وقمنا بنفس الروتين اليومي، وبعدها ذهبت للمكتب، بمحاولة جادة لرسم وجهة غير عابس، وحين دخلت إلى المكتب سألني أحد زملائي “شفت وزير العدل الـ……. قال إيه؟” لم أرد وتوجهت لمكتبي.

وجدت بالبريد الإليكتروني، بريد من نفس الزميل، بعنوان “تصريح وزير العدل عن إبن عامل النظافة”، لم أفتحه، وذهبت كالعادة لتصفح الأخبار اليومية، وجدت أخبار عديدة عن تصريح لوزير العدل عن إنه لا يرى أن إبن عامل النظافة يجب أن يكون قاضي، وبكلمات أخرى ” يرى السيد الوزير أن إبن عامل النظافة من بيئة واطية زيادة عن اللزوم ومينفعش لأنه هينهار ومش هيكون عنده كرامة وشموخ القاضي” عدت بعدها إلى بريد زميلي لمشاهدة الفيديو ولا أخفيكم سرًا، روادتني لحظات من الغضب وعدم إستغرب لحديث الرجل.

فمن منكم لا يعلم أن المجتمع المصري هو مجتمع طبقي بإمتياز، مجتمع أغلب إن لم يكن كل من فيه – إلا من رحم ربي – لا يجد قيمه لذاته إلى من خلال رؤية الأخرين له. من منكم لم يتعامل مع أناس طبقيين؟ من منكم لم يرى ويشاهد طبقية المدافعين عن حقوق الإنسان في بلادنا؟ من منكم لا يرى أن الشخص الذي لا يتحدث غير العربية هو جاهل وقليل المعرفة ويكسف؟ من منكم لم بطلب مطعم ووجد أن المطعم لا يرد إلا بالأنجليزية؟ من منكم لم يسمع مئات المرات الحديث عن الفقراء عن أنهم دومًا تعساء؟ من منكم لم يتحدث عن الفقراء وكأنهم من أواسط أفريقيا ودافع عنهم وأرتفع صوته خارقًا كل طبقات الأرض دونما التعرف عليهم؟ من منكم لم يتعامل أو رأى من يتعامل مع الفقراء بالعطف لا الإحترام؟ من منكم لا يعلم عن المجتمعات الفقيرة غير أنهم متحرشين؟ أو أنهم يعيشون في أماكن موبوئة؟ من منكم لم يقرأ طلبات التقديم في الكليات الحربية والشرطة والنيابة والتي هي بالأصل من هم أهلك وليس من أنت؟ من منكم لم يعامل البوابين على أنهم أدنى من البشر؟ من منكم لم يخفي أو دفع الأخرين لأن يخفوا أصلهم خوفًا من نظرات وأحكام إحتقار؟ من منكم وقت المدرسة كان يتملكه الخوف حينما تظهر عائلته أمام أصدقائة؟

نعم يا سادة ويا سيدات، المجتمع المصري أسوأ المجتعمات التي رأيتها بعيني، مجتمع طبقي لعين، يجد فيه الأفراد قيمتهم في عدد الأختام والألقاب قبل إسمهم أو عدد المفاتيح الموجودة معهم، وليس في قيمتهم الشخصية وما قاموا به في حياتهم، مجتمع يقدس الإدعاء، مجتمع يحكم فيه طلبة الكليات على بعضهم البعض، ويحكم فيه من هم أعلى مجموع في الثانوية العامة على من هم أدنى، مجتمع يحكم فيه ساكني القاهرة على ساكني المحافظات، وساكني القاهرة على ساكني أطرافها، وساكني المدن الجديدة على المدن القديمة، ويضعك دومًا تحت لافته تقول “من أين أنت ومن أهلك وكم مفتاح تحمل؟”

سأنهيي هذا المقال بموقفين عن الطبقية أحدهما في مصر والأخر فى الولايات المتحدة، في مصر وهو واحد من المواقف الشخصية الكثيرة والتي لا تحصى التي رأيتها وتعرضت لها. الأول: في أحد المرات دعاني أحد الأصدقاء إلى جلسة تضم عدد من المهتمين بالتغيير، لمناقشة ما يمكن أن نقوم به سويًا، كنا نزيد عن عشرة أفراد قليلًا، كنت ذاهب أنا وصديقة لي، وحين بدأ الحديث، بدأ كل منهم يعرف عن نفسه، كل الموجودين لم يذكر أي منهم إسمة مجردًا وإنما (انا الدكتور الفلاني، أو انا طالب بالجامعة للدراسات الفلانية) وكأن أسماهم ليست كافية، كأنها أدني من أن تذكر وحيدة دونما ألقاب. أما الموقف الثاني: وهو موجه للسيد وزير العدل –الذي في الحقيقة لا أعرف ولا أود أن أعرف إسمة- يا سيدي لعلك لا تعلم -وأنا متأكد إنك لا تعلم- أن الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية بيل كلينتون هو إبن لأب بائع في أحد المحلات ويا للأسف يا سيدى لم ينهار السيد كلينتون ولم يحدث له إكتئاب نفسي نتيجه وصولة لرئاسة أكبر دولة بالعالم، ولم يفقد شموخه، بل في الحقيقة نحن من نفقد كل شيئ لكوننا في مجتمع بهذا السوء.

10
May

بين الأفكار المجردة والمواقف الإنسانية

منذ أيام في جلسة مع أحد الأصدقاء وحين سألته عن حال أخوه بالجيش، كان رده “أخويا كلمني من كام يوم وقالي إنه إتطلب منه إنه يستعد للسفر، وطلب مني أني مقولش لأمي علشان متزعلش” لا أخفي عليكم سرًا، لم أفرح كثيرًا لهذه الأخبار، بل في الواقع رحت أتأمل حال هذا الشاب وهذه العائلة وهذه الأم.

دفعني هذا الحديث إلى إهتزاز أفكاري المجردة مع أول موقف إنساني لأناس أعلمهم وعائلة أعرفها. فكرت طويلًا، في ما إن كنت أستطيع تحمل العبئ الأخلاقي في الدفاع عن حرب سنفقد فيها من نفقد من شباب لا حول لهم ولا قوة.

العالم دومًا ما يضعنا بين أمرين لا ثالث لهما، وهما الإختيار بين أحد الشرين، وهما( الشر الأعظم والشر الأدنى) وحينها ينقسم البشر إلى نوعين أيضا لا ثالث لهما؛ أولهما: رومانسي رديكالي لا يختار أي منهم ويود أن يخلق شر ثالث، أو بعبارة أخرى كما قال أحد فلاسفة اليسار موشي هس “إن المسيحين يتخيلوا أن المستقبل الجيد للإنسانية هو في الجنة، نحن سنخلق هذه الجنة على الأرض”. ثانيهما: من يختار الشر الأدنى ويتحمل معه العبئ الأخلاقي والمسؤولية الناتجة عن هذا الإختيار، وهم كثر إلا في بلادنا.

ونظرًا لطبيعتى في قبول العالم ومحاولة تغييره قدر المستطاع، وتقبل حقيقة الهزائم التي هي أكبر وأعمق بكثير من أي نجاح، مستندًا في ذلك على الحياة الشخصية للوقوف أمام الهزائم العامة.

ولما كنت وللوقت الحالي، لازالت الأفكار المجردة والموقف الإنساني بداخلي لكل منهم وجاهته وبعد قرأة خبر اليوم أن السعودية تعلن وصول طلائع قوات ماليزية للمشاركة في الحرب، أحسست أن أخبار كهذه هي سبب رئيسي للتردد المصري وعدم الثبات والوضوح، فأردت أن أشارككم التحليل الممكن لحالة اليمن والموقف المصري منها.

وهنا دعونا نتشارك في إجابة السؤال الرئيسي وهو: لماذا على مصر المشاركة في الحرب؟ وما الفوائد؟ يمكننا حصر الأسباب في أربعة وهم: 1) إن لم تدخل مصر الحرب سيدخل غيرها وحينها سيتم خلق منافس حقيقي وواضح لمصر في المنطقة والدور الذي يجب أن تكون عليه في المستقبل. 2) منذ 30 من يونيو والدولة المصرية لم تتعرض لأزمات إقتصادية ومجتمعية كبرى والسبب الرئيسي هو الدعم الخليجي. 3) مصر لديها عمالة ومصالح إقتصادية عريضة مع الخليج ويجب الحفاظ عليها. 4) مصر في الوقت الحالي في وضع ضعيف والمنطقة تتشكل فيها تحالفات أحدمها بقيادة السعودية والأخر بقيادة إيران وثالث تحاول فيه تركيا، ومن غير العقل عدم وضع مصر كلاعب رئيسي في هذه الحالة.

على الجانب الأخر، سيكون هناك أضرار على المستوى البشري وكذا على المستويين السياسي والمجتمعي من عدم إستقرار وعدم تفهم لدخول مصر لحرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فلا أحد يعلم أي شيئ عن اليمن وكل الأسباب التي تساق من الدولة في حقيقتها واهية ولا يمكنها خلق توافق مجتمعي أو حتى قبول لصانعي القرار.

في النهاية لا زالت أرى أن دخول أى حرب هو أمر ليس جيد ولا أتمناه على المستوى الشخصي والإنساني، ولكن وكما ذكرت لكم العالم ليس بالجودة التي نتمناها، ولازال رأيي أن دخول مصر الحرب بموقف ثابت، واضح وراسخ هو أمر سيئ ولكنه يمثل الشر الأدنى. وبإختصار علينا التعامل معه ومحاولة تقليل أثارة السيئة  وخلق مساحة رئيسية مع التفاهم تحديد  للدور الواجب أن تكون عليه  مصر في مستقبل المنطقة.

وتقليل الأضرار لن يتأتي دونما شعور المصريين أن مصر هي بلادهم، وأنه يمكنهم أن يصلحوا فيها ما يستطيعوا، وأن لهم فيها “لقمة عيش” وأن يتحدث معهم الحكومة والرئيس وتقدم لهم كافة البيانات والمعلومات الممكنة عن مسألة اليمن، دونما تضليل. وقتها سيشعر المواطنون أنهم يدافعون عن وطن لهم فيه ناقة وجمل وحياة لا مواطنون منساقون كالعبيد.