Skip to content

Archive for May, 2011

9
May

إنها الكارثة

بالأمس صباحا ً كتبت ورقة “عن المشكلة الطائفية فى مصر” وبالأمس أيضا ًمزقت تلك الورقة، لم أكن أتصور أن الاحداث قد تتسارع بهذا الشكل الهستيرى ضد الاقباط، كانت متوقعه ولكن ليس بمثل هذه السرعة.

فهذا الحلم الطوباوي الذى عزفه الإعلام المصرى ورقصت عليه النخبة، أن الثورة أطاحت بما هو قديم وجاءت بكل جديد، بينما واقع الامر أنها أطاحت بالمؤسسات لتأتي بالفوضى، أتذكر خلال حملات اقتحام مقرات أمن الدولة صديقا لي كان يهلل فرحا بأن أسطورة امن الدولة قد انهارت، وكان ردي أنها لم تنهر في مواجهة السياسين فقط بل والسلفيين أيضا ًوالمراقب لمايحدث الآن يجد أن جهازالشرطة عاجز حتى عن حماية نفسه.

بالأمس تم الهجوم على كنيستين فى منطقة امبابة وتم حرقهما،كانت ليلة عنف دموية خلفت ورائها 12قتيلا – والعدد فى تزايد – وما يربو على 100 جريح. ببطء شديد أتت عربات الشرطة لاحول لهاولاقوة. وبعد فوات الأوان جاء الجيش بعدما أتت النارعلى محتويات الكنيستين وقتل من قتل وأحرق من أحرق.

الهجوم بدأ بحصار كنيسة إثر إشاعة بأن هناك فتاة محتجزة بداخلها، أحرقت الكنيسة وقتل أقباط ومسلمون ولم تظهر الفتاة ولم يرها أحد من مرتكبي هذه الجريمة، لامن قبل ولامن بعد إلا أن الاخبار الآتية من امبابة، بعدما تحولت الى ثكنة عسكرية، تشير أن هناك ارتياح من مسلمي المنطقة تجاه ماحدث وأنهم لم يزالوا يظنون أن هناك بالفعل فتاة محتجزة، وأن ماحدث كان عين الصواب!

اليوم ظهرا ًنزلت لأتابع المظاهرة القبطية أمام دار القضاء العالى، ساعات قليلة وبدأ التحرك نحو ماسبيرو، كانت الأمور تسير بهدوء إلى أن حصل أشتباك بين مجموعة شباب مسيحيين ومجموعة أخرى من المسلمين، وفى لمح البصر تحول الأمر إلى هجوم من قبل مسلمي منطقة بولاق الذين ألقوا بوابل من الحجارة على المسيحيين الذين سرعان ماأخذو ا في الرد عليهم، كان المشهد بالنسبة لي مرعبا، فأن تسمع عن اشتباكات عنيفة غير أن ترى بأم عينك والدماء فى كل مكان، بل إن فكرة أنك معرض لهجوم عنيف لمجرد كونك مسيحيا تنطوي على مشاعر لا يمكن وصفها.

بعد حوالى ساعة من تراشق الحجارة وسقوط عدد لابأس به من الجرحى، تكتمل المظاهرة القبطية أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون. الغضب فى أعين كل المتواجدين هناك و الشعور بالاضطهاد تكاد تلمسه في الهواء، فهناك إحساس جماعي بأن المسلمين سيعاودون الهجوم مرة أخرى فى أى وقت. وبينما أنا هناك أدون ما أشهده، التقيت صديقة ألمانية تعمل صحفية وشرعنا فى الحديث حول ماجرى بالأمس و اليوم، فيما يقاطعنا بين الآونة والأخرى أحد المتظاهرين مطالبا إياي بأن أنقل إليها معاناة الأقباط لتنقلها هى بدورها الى العالم، ثم جاءتني امرأة عجوز وطالبت منى أن أترجم لها “نحن لا نثق فى أن الجيش يهتم لدماء الاقباط ولانثق أن العدالة ستطبق على من أحرقوا الكنيستين، ستنسى القصة كما نسيت مذبحة الكشح ولم يحاكم أحد”، ثم تابعت “نريد حماية دولية لأرواحنا وممتلكاتنا، نريد أن نشعر بالأمان، لانثق الآن فى أي أحد، ولا حتى فى جيراننا المسلمين”. أنهت السيدة حديثها بتأثر بالغ قائلة أنها من قرية الكشح التى حدثت فيها المذبحة المشار اليها وأنها شهدتها آنذاك.

تركت المكان وأنا أرى بلدي فى حالة يرثى لها، أراها قريبة من فوضى دموية في أجواء طائفية سقيمة، أفقدتنى الامل في أي فرصة للإصلاح فى هذا المناخ. من هجموا على الكنائس بأمس لم يكونوا سلفيين أو من تنظيم القاعدة أو فلول النظام كما ترغب النخبة فى تصوير الأمر: من اشتبكوا مع المتظاهرين الاقباط ظهر اليوم لم يأتوا من المريخ، بل هم مصريون مسلمون طبيعيون.

من ينكر أن هناك كراهية بين المسيحيين والمسلمين فى مصر، ومن يريد أن يصدق أننا نعيش فى فترة انتقالية بعدها سيحب المسلم جاره المسيحي والعكس، أولئك هم القادمون من المريخ – أو العائدون إليه.