Skip to content

Archive for October, 2011

26
Oct

كشف اللبس في شأن المسؤولية (1)

في معنى المسؤولية الفردية

بَدْءًا أقر أن القصد وراء تدوينتي الأخيرة لم يعْدُ المواساة والتثبيت، علاوة على شحذ همتي للكتابة بالعربية. أما وقد عاجلني صاحب دربي بتساؤلاته الممحصة التي يستوي صريحها ومضمرها عسرًا، فلا مناصَ لي إلا أن أحاول كشف ما أوقعْتُ من لبسٍ في شأن المسؤولية الفردية على وجه العموم والمسؤولية الأخلاقية تحديدًا، برَدّ مشكلة المسؤولية إلى أسئلتها الفلسفية الأولية في مبحثي الأخلاق والسياسة. ولتشابك المسالك إلى هذا المقصد ووعورتها، فقد آثرت تقسيم مقالي على تدوينات خمس، هذه أولاها، على أن أعرض لاحقا إلى موضوعات إمكان المسؤولية والمسؤولية الاجتماعية/السياسية والمسؤولية الأخلاقية وقضية الشر على الترتيب.

المسؤولية في الأصل علاقة مزدوجة بين مسؤول ومسؤول عنه من جهة، وبين مسؤول وسائل (مسؤول أمامه) من جهة أخرى. فأما المسؤول فهو إما فردٌ متعين، كأن نقول ”زيدٌ أحرق البيت، فهو مسؤول عن إحراقه“، أو جماعة متعينة ”زيدٌ وعمرٌو أحرقا البيت، فهما مسؤولان عن إحراقه“، أو جماعة غير متعينة ”الشعب أسقط النظام، فهو مسؤول عن إسقاطه“. ولما كانت الجماعة المتعينة منقسمة بالضرورة إلى أفراد متعينين، أي أن مسؤولية الجماعة المتعينة هي في حقيقتها حاصل مسؤوليات فردية، أمكننا أن نقول أن المسؤولية على نوعين: مسؤولية فردية تقع على الأفراد المتعينين، ومسؤولية جماعية تقع على الجماعات غير المتعينة. في كثير من الأحيان تنسب المسؤولية خطأ إلى ما لا تقع عليه كالظاهرة الطبيعية ”الصاعقة أحرقت البيت، فهي مسؤولة عن إحراقه“ أو الكيان المفارق ”الله أسقط النظام، فهو مسؤول عن إسقاطه“، وسوف أبين سبب فساد هذين المثالين في عرضي لمفهومي العلّية والفاعليّة في الحلقة المقبلة. كذلك فإنني سأقصر ما يلي من حديث على المسؤولية الفردية لأنها جوهر هذا النقاش، ولأنني ممن يرون انتفاء المسؤولية الجماعية من الأصل، وهو ما تضيق عن تفسيره المساحة هنا.

وأما المسؤول عنه، فهو إما فعل أو موضوع للفعل. فحين نقول ”زيد أحرق البيت“، يمكننا أن نعتبر زيدًا مسؤولا عن ”إحراق البيت“ (أي فعل ”الإحراق“ ذاته) أو عن البيت (أي الشيء الذي أحرق). والفعل على لونين: إيجابي وسلبي. والأمثلة السالفة كلها نماذج للفعل الإيجابي، أما الفعل السلبي فمثاله ”ترك زيدٌ عمرًا يحرق البيت، فهو (زيدٌ) مسؤول عن إحراقه“، وفيه تترتب مسؤولية زيد على امتناعه عن الفعل، أي قيامه بفعل سلبي. وبالتالي فإن الأفعال في مطابقتها أو مخالفتها لإملاء المسؤولية أربعة: إصلاح (أي فعل إيجابي بالموافقة للمسؤولية، كإطفاء حريق) وإفساد (أي فعل إيجابي بالمخالفة للمسؤولية، كإشعال حريق)، ومحافظة (أي فعل سلبي بالموافقة للمسؤولية، كالامتناع عن إشعال حريق)، وتقصير (أي فعل سلبي بالمخالفة للمسؤولية، كالامتناع عن إطفاء حريق).

وأما السائل، وهو أعسر العناصر الثلاثة على الفهم، فهو على أنواع أربعة. أولها أن يكون السائل هو ذاته المسؤول، بمعنى أن يكون الفرد مسؤولا أمام نفسه، وهوما نسميه بالمسؤولية الأخلاقية، كأن يقول قائل ”ضميري يملي عليّ ألا أسرق“، ومن ثم يكون الفعل السلبي بالامتناع عن السرقة نتيجة لمسؤولية الفرد أمام ذاته. وثانيها أن يكون السائل فردًا متعينا غير المسؤول، وهو ما نسميه بالمسؤولية التعاقدية، كأن يكون زيد مسؤولا عن حراسة بيت عمرو لاتفاق بينهما (بمقابل أو دون مقابل)، ومثله أن يكون السائل جماعة متعينة. وثالثها أن يكون السائل جماعة غير متعينة، كالمجتمع أو الجماعة الإنسانية أو غير ذلك، وهو ما نسميه بالمسؤولية الاجتماعية/السياسية (وللتسمية مبرر أطرحه في الحلقة بعد التالية) وأبلغ أمثلتها مسؤولية الفرد عن الدفاع عن بلده في حالة الحرب. ورابعها أن يكون السائل كيانًا مفارقا، وهو ما نسميه بالمسؤولية اللاهوتية، ومثالها الواضح مسؤولية فرد عن أداء شعائر دينه، أو التعبير الدارج ”مسؤوليتنا أمام التاريخ“، وهذا النوع لا يعنينا هنا في شيء. أما المسؤولية التعاقدية فيردها القدماء إلى المسؤولية الأخلاقية، فيما يدمجها المحدثون في المسؤولية الاجتماعية/السياسية، وهو ما سيأتي بيانه في محله.

إذن فالخلاصة أننا بصدد بحث المسؤولية الفردية الأخلاقية (أي مسؤولية الفرد أمام نفسه)، والمسؤولية الفردية الاجتماعية/السياسية (أي مسؤولية الفرد أمام جماعات غير متعينة)، فيما يتعلق بالعالم (مجمل الوجود) كمسؤول عنه، أو كموضوع للفعل. لكن وقبل أن نعرض لكل من المفهومين بالتفصيل، علينا أولا أن نجيب سؤالا بالغ الأهمية: هل المسؤولية ممكنة من الأصل؟ أو بشكل أبسط، هل يمكن أن نقول حقا أننا كأفراد مسؤولون بالفعل عن العالم أمام أنفسنا وأمام الآخرين؟

26
Oct

كشف اللبس في شأن المسؤولية (1)

في معنى المسؤولية الفردية

بَدْءًا أقر أن القصد وراء تدوينتي الأخيرة لم يعْدُ المواساة والتثبيت، علاوة على شحذ همتي للكتابة بالعربية. أما وقد عاجلني صاحب دربي بتساؤلاته الممحصة التي يستوي صريحها ومضمرها عسرًا، فلا مناصَ لي إلا أن أحاول كشف ما أوقعْتُ من لبسٍ في شأن المسؤولية الفردية على وجه العموم والمسؤولية الأخلاقية تحديدًا، برَدّ مشكلة المسؤولية إلى أسئلتها الفلسفية الأولية في مبحثي الأخلاق والسياسة. ولتشابك المسالك إلى هذا المقصد ووعورتها، فقد آثرت تقسيم مقالي على تدوينات خمس، هذه أولاها، على أن أعرض لاحقا إلى موضوعات إمكان المسؤولية والمسؤولية الاجتماعية/السياسية والمسؤولية الأخلاقية وقضية الشر على الترتيب.

المسؤولية في الأصل علاقة مزدوجة بين مسؤول ومسؤول عنه من جهة، وبين مسؤول وسائل (مسؤول أمامه) من جهة أخرى. فأما المسؤول فهو إما فردٌ متعين، كأن نقول ”زيدٌ أحرق البيت، فهو مسؤول عن إحراقه“، أو جماعة متعينة ”زيدٌ وعمرٌو أحرقا البيت، فهما مسؤولان عن إحراقه“، أو جماعة غير متعينة ”الشعب أسقط النظام، فهو مسؤول عن إسقاطه“. ولما كانت الجماعة المتعينة منقسمة بالضرورة إلى أفراد متعينين، أي أن مسؤولية الجماعة المتعينة هي في حقيقتها حاصل مسؤوليات فردية، أمكننا أن نقول أن المسؤولية على نوعين: مسؤولية فردية تقع على الأفراد المتعينين، ومسؤولية جماعية تقع على الجماعات غير المتعينة. في كثير من الأحيان تنسب المسؤولية خطأ إلى ما لا تقع عليه كالظاهرة الطبيعية ”الصاعقة أحرقت البيت، فهي مسؤولة عن إحراقه“ أو الكيان المفارق ”الله أسقط النظام، فهو مسؤول عن إسقاطه“، وسوف أبين سبب فساد هذين المثالين في عرضي لمفهومي العلّية والفاعليّة في الحلقة المقبلة. كذلك فإنني سأقصر ما يلي من حديث على المسؤولية الفردية لأنها جوهر هذا النقاش، ولأنني ممن يرون انتفاء المسؤولية الجماعية من الأصل، وهو ما تضيق عن تفسيره المساحة هنا.

وأما المسؤول عنه، فهو إما فعل أو موضوع للفعل. فحين نقول ”زيد أحرق البيت“، يمكننا أن نعتبر زيدًا مسؤولا عن ”إحراق البيت“ (أي فعل ”الإحراق“ ذاته) أو عن البيت (أي الشيء الذي أحرق). والفعل على لونين: إيجابي وسلبي. والأمثلة السالفة كلها نماذج للفعل الإيجابي، أما الفعل السلبي فمثاله ”ترك زيدٌ عمرًا يحرق البيت، فهو (زيدٌ) مسؤول عن إحراقه“، وفيه تترتب مسؤولية زيد على امتناعه عن الفعل، أي قيامه بفعل سلبي. وبالتالي فإن الأفعال في مطابقتها أو مخالفتها لإملاء المسؤولية أربعة: إصلاح (أي فعل إيجابي بالموافقة للمسؤولية، كإطفاء حريق) وإفساد (أي فعل إيجابي بالمخالفة للمسؤولية، كإشعال حريق)، ومحافظة (أي فعل سلبي بالموافقة للمسؤولية، كالامتناع عن إشعال حريق)، وتقصير (أي فعل سلبي بالمخالفة للمسؤولية، كالامتناع عن إطفاء حريق).

وأما السائل، وهو أعسر العناصر الثلاثة على الفهم، فهو على أنواع أربعة. أولها أن يكون السائل هو ذاته المسؤول، بمعنى أن يكون الفرد مسؤولا أمام نفسه، وهوما نسميه بالمسؤولية الأخلاقية، كأن يقول قائل ”ضميري يملي عليّ ألا أسرق“، ومن ثم يكون الفعل السلبي بالامتناع عن السرقة نتيجة لمسؤولية الفرد أمام ذاته. وثانيها أن يكون السائل فردًا متعينا غير المسؤول، وهو ما نسميه بالمسؤولية التعاقدية، كأن يكون زيد مسؤولا عن حراسة بيت عمرو لاتفاق بينهما (بمقابل أو دون مقابل)، ومثله أن يكون السائل جماعة متعينة. وثالثها أن يكون السائل جماعة غير متعينة، كالمجتمع أو الجماعة الإنسانية أو غير ذلك، وهو ما نسميه بالمسؤولية الاجتماعية/السياسية (وللتسمية مبرر أطرحه في الحلقة بعد التالية) وأبلغ أمثلتها مسؤولية الفرد عن الدفاع عن بلده في حالة الحرب. ورابعها أن يكون السائل كيانًا مفارقا، وهو ما نسميه بالمسؤولية اللاهوتية، ومثالها الواضح مسؤولية فرد عن أداء شعائر دينه، أو التعبير الدارج ”مسؤوليتنا أمام التاريخ“، وهذا النوع لا يعنينا هنا في شيء. أما المسؤولية التعاقدية فيردها القدماء إلى المسؤولية الأخلاقية، فيما يدمجها المحدثون في المسؤولية الاجتماعية/السياسية، وهو ما سيأتي بيانه في محله.

إذن فالخلاصة أننا بصدد بحث المسؤولية الفردية الأخلاقية (أي مسؤولية الفرد أمام نفسه)، والمسؤولية الفردية الاجتماعية/السياسية (أي مسؤولية الفرد أمام جماعات غير متعينة)، فيما يتعلق بالعالم (مجمل الوجود) كمسؤول عنه، أو كموضوع للفعل. لكن وقبل أن نعرض لكل من المفهومين بالتفصيل، علينا أولا أن نجيب سؤالا بالغ الأهمية: هل المسؤولية ممكنة من الأصل؟ أو بشكل أبسط، هل يمكن أن نقول حقا أننا كأفراد مسؤولون بالفعل عن العالم أمام أنفسنا وأمام الآخرين؟

19
Oct

بين المسئولية الفردية والمجتمعية


تساؤلات حول الفلسفة المحافظة

 

يقرر الافراد حيواتهم شكًلا ومضمونًا يتم ذلك حينًا بوعى وأحيانًا دونه، ولهذا يتحمل الخلق مسئولية أفعالهم السيئ منها والحسن، فى هذا الشأن ينقسم الناس قسمين، المهتمين بالشأن العام والبعيدين عنه، أما الاوائل فلديهم مسئوليتان خاصً وعام، والاخرين لديهم هَمُ واحد.

إختارالاوائل طوعًا المسئولية العامة، ولهذا يبدو منطقيًا إنطباق كلام صديقى عمرو البرجيسي، أن إختيارتهم تكون ما بين الشر المطلق والشر الادنى، وعليهم أن يختاروا الشر الادنى بل وأن يناضلوا ما أستطاعوا إليه سبيلا. ولهذا فمن يختاروا الشر الادنى بإدراٍك واع، فأنهم يمضون فى حيواتهم بذنوب ما أختاروه من شرور.

بدا لى تعليق عمرو منطقيا للوهلة الاولى، وخلال الايام التالية لقرأة المقال، دار بذهنى جملة فى رواية “الحب فى المنفى” لبهاء طاهر، تقول: قال يوسف بنبرته الحزينة: لا. غير صحيح. نحن قرأنا لكم وتعلمنا منكم ونحن صغار. ولكن لما وقعت الفأس فى الرأس وبحثنا عنكم لم نجدكم”.

يطفو هنا مبدأين لكل منهم منطقه ولا يعلوا أحدهم على الاخر إلا لحجه لا تبدو جليه، وهما المسئولية الفردية والمجتمعية.

فالفرد حين تكون مسئوليته فرديه ولا يتدخل فى الشأن العام ولا يدلى بدلوه فيها يبدو لى منطقيًا آنذاك أن يتحمل نتيجة إختياره الأقرب إلى الشر الادنى ويتحمل ذنبه الفردى، أما من تحملوا من البداية المسئولية المجتمعية فإن إخيتارتهم تتعدى الذنب الشخصى إلى ذنب مجتمعى وهو ما يكون بالضرورة بعيد عن المسئولية وأقرب لإنعدامها.

دعنى أعطيك مثالا يقرب الصورة الذهنية، فى الرواية كان هذا الشاب الذى قارب عمره الثلاثين “يوسف”، يعمل فى إحدى المقاهى ومتزوج من إمراة عجوز بعدما هاجر مصر فى ظروف صعبة، تكونت مداركه من خلال كُتاب وصحفيين، وحين أشتد بنيان القوى الاسلامية فى مصر مع مطلع السبعينات وفاقت قوتهم قوته ورفاقه، بحث عن من كتبوا الأفكار. لم يجدوهم فقد كانوا فى بلاد تبعد الاف الاميال ينظرون إليهم من خلال صور وصحف، تمضى حيواتهم هناك يبدو عليهم التأثر تارة وعدم الاهتمام تارة أخرى.

طبقا لتحليل الفلسفة المحافظة يبدو إختيار الكاتب فى الرواية الخروج من مصر هو الاقل شرًا، ولكنه لا ينم على أى مسئولية حتى بالرغم من دفاعه عن قضاياه وقضايا مواطنيه من بلاد يرى منها حياة المصريين مجرد خطوط على خرائط، فهو تحدث وملئ الدنيا شرقًا وغربًا بأفكاره وطالبَ الناس بتحمل المسئولية وبناء مستقبل لهم ولاجيال قادمة وحين كانت الافكار تحتاج من يحملها خرج الكاتب إلى مجتمعات يستمتع فيها بمجهود من سبقوه فى تحمل مسئولية بلادهم.

وأنطبق عليه قول أبو الأسود الدؤلى:

لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

ابدأ بنفسك وانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى … بالعلم منك وينفع التعليم

ويبقى السؤال هل تقدم المسئولية الفردية على المجتمعية، خاصة من إختاروا تحمل المسئولية المجتمعية.

19
Oct

بين المسئولية الفردية والمجتمعية


تساؤلات حول الفلسفة المحافظة

 

يقرر الافراد حيواتهم شكًلا ومضمونًا يتم ذلك حينًا بوعى وأحيانًا دونه، ولهذا يتحمل الخلق مسئولية أفعالهم السيئ منها والحسن، فى هذا الشأن ينقسم الناس قسمين، المهتمين بالشأن العام والبعيدين عنه، أما الاوائل فلديهم مسئوليتان خاصً وعام، والاخرين لديهم هَمُ واحد.

إختارالاوائل طوعًا المسئولية العامة، ولهذا يبدو منطقيًا إنطباق كلام صديقى عمرو البرجيسي، أن إختيارتهم تكون ما بين الشر المطلق والشر الادنى، وعليهم أن يختاروا الشر الادنى بل وأن يناضلوا ما أستطاعوا إليه سبيلا. ولهذا فمن يختاروا الشر الادنى بإدراٍك واع، فأنهم يمضون فى حيواتهم بذنوب ما أختاروه من شرور.

بدا لى تعليق عمرو منطقيا للوهلة الاولى، وخلال الايام التالية لقرأة المقال، دار بذهنى جملة فى رواية “الحب فى المنفى” لبهاء طاهر، تقول: قال يوسف بنبرته الحزينة: لا. غير صحيح. نحن قرأنا لكم وتعلمنا منكم ونحن صغار. ولكن لما وقعت الفأس فى الرأس وبحثنا عنكم لم نجدكم”.

يطفو هنا مبدأين لكل منهم منطقه ولا يعلوا أحدهم على الاخر إلا لحجه لا تبدو جليه، وهما المسئولية الفردية والمجتمعية.

فالفرد حين تكون مسئوليته فرديه ولا يتدخل فى الشأن العام ولا يدلى بدلوه فيها يبدو لى منطقيًا آنذاك أن يتحمل نتيجة إختياره الأقرب إلى الشر الادنى ويتحمل ذنبه الفردى، أما من تحملوا من البداية المسئولية المجتمعية فإن إخيتارتهم تتعدى الذنب الشخصى إلى ذنب مجتمعى وهو ما يكون بالضرورة بعيد عن المسئولية وأقرب لإنعدامها.

دعنى أعطيك مثالا يقرب الصورة الذهنية، فى الرواية كان هذا الشاب الذى قارب عمره الثلاثين “يوسف”، يعمل فى إحدى المقاهى ومتزوج من إمراة عجوز بعدما هاجر مصر فى ظروف صعبة، تكونت مداركه من خلال كُتاب وصحفيين، وحين أشتد بنيان القوى الاسلامية فى مصر مع مطلع السبعينات وفاقت قوتهم قوته ورفاقه، بحث عن من كتبوا الأفكار. لم يجدوهم فقد كانوا فى بلاد تبعد الاف الاميال ينظرون إليهم من خلال صور وصحف، تمضى حيواتهم هناك يبدو عليهم التأثر تارة وعدم الاهتمام تارة أخرى.

طبقا لتحليل الفلسفة المحافظة يبدو إختيار الكاتب فى الرواية الخروج من مصر هو الاقل شرًا، ولكنه لا ينم على أى مسئولية حتى بالرغم من دفاعه عن قضاياه وقضايا مواطنيه من بلاد يرى منها حياة المصريين مجرد خطوط على خرائط، فهو تحدث وملئ الدنيا شرقًا وغربًا بأفكاره وطالبَ الناس بتحمل المسئولية وبناء مستقبل لهم ولاجيال قادمة وحين كانت الافكار تحتاج من يحملها خرج الكاتب إلى مجتمعات يستمتع فيها بمجهود من سبقوه فى تحمل مسئولية بلادهم.

وأنطبق عليه قول أبو الأسود الدؤلى:

لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

ابدأ بنفسك وانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى … بالعلم منك وينفع التعليم

ويبقى السؤال هل تقدم المسئولية الفردية على المجتمعية، خاصة من إختاروا تحمل المسئولية المجتمعية.

17
Oct

فقر الأفكار

فى نقد مرشحى الرئاسة المتبنين لخطاب الدولة المدنية

تحت ضوء نيران بميدان عبد المنعم رياض يوم جمعة الغضب سمعت صوت ينادى بأسمى من أعلى كوبرى أكتوبر كانوا ثلاثة أصدقاء، أحدهم كان منهمك فى تصوير فيلم والباقين يمتلكهم غضب من فكرة التصوير فى هذا الوقت، طلبوا منى إقناعة حتى نمضى من وسط البلد حيث كانت المحلات تنهب وأغلب الموجودون تحت جنح الليل ينظرون بتفرس فى أوجه المارة ليلتقط أحدهم طرف الخوف الذى يمكنه بعدها الانقضاض على فريسته.

فى طريقنا إلى الزمالك على الاقدام حتى نحضر سيارة أحدهم، كان التصور المسيطر علينا أننا سنجد شرطة والزمالك بالتأكيد أمان، لم نجد ولا فرد فى شوارع الزمالك بدت كأحد المدن التى أصاب جميع من فيها وباء، فى طريق العودة الى وسط البلد، أوقفنا مجموعة من الشباب على كوبرى أكتوبر بعصى خشبيه، وأرادوا أن يركبوا معنا بالقوة إلا إننا قلنا لهم لا مكان فى السيارة، فجاء صوت من خلف السيارة يبتعد مع إبتعادنا سنركب مع أى من سائقى التاكسى المستغلين “ولو قال لا نكسر اللى خلفوه”.

أثناء الايام التالية بقى عدد من الاصدقاء فى منزلى حيث كان بقائنا معًا يمثل فكرة الأمان، وكانت فرصة جيدة للنقاش المستمر ورؤية ميدان التحرير، كان أحدنا مهندس معمارى، كان الابعد عن أفكار أغلبنا وكان أخر من أشد المؤيدين للثورة، رأى الاول أن هذه البلاد بها من الافكار –الغير إسلامية- ما يسمح لها بالتقدم وكانت وجهة نظرى أنا وصديق أخر مهتم بالعمل الفنى أننا أبعد ما نكون عن ذلك، ورأى الثانى أننا مجموعة من الخونة كل ما نقوم به فى حياتنا من أجل المال، وأننا لم ننزل للثورة لاننا مستفيدين من مبارك وكان بالفعل سمع كلام مشابه آنذاك من أحد العاملين فى المجتمع المدنى عن أن العاملين فى “اتحاد الشباب الليبرالي المصرى” لديهم مصالح مع القصر الجمهورى.

مؤيد الثورة أصبح الان أكثر هدؤا وتعقًلا وعلى صوت لعبة الطاولة نتجاذب أطراف الحديث فى مقاهى بعيده عن صخب وسط البلد، أما صديقى الاخر، فحدثنى منذ ما يزيد عن شهر وقال لى أن هذه البلاد لا يوجد فيها فكرة واحدة، وأننا كنا على حق حين كنا نتحدث معه، وأن كل ما يدور فى فلك الافكار فى بلدنا ما هى إلا كلمات جوفاء لا يحمل مُصَدريها أى معنى أو تفسير لمحتواها.

عادت هذه الصورة إلى ذهنى حين قرأت خبر عن السيد: عمرو موسى يحمل عنوان “حان الوقت للحديث عن الملحق الامنى لاتفاقية السلام لوجود خطر فى سيناء، والمادة الثانية من الدستور ستكون مرجعيتى”. وفى صفحة أخرى بحثت عن موقف الدكتور: أيمن نور وبرنامجه الانتخابى فوجدت تحت عنوان “المادة الثانية ملهمة وغير مقيدة على الاطلاق” فتحت صفحة ثالثة لمعرفة موقف الدكتور: محمد البرادعى فكانت الوثيقة الاشهر لحقوق الانسان فى مصر – والتى توضح بشكل كبير كيف تفكر النخبة المتبنيه لفكرة الدولة المدنية – وبعد أن قرأتها وجدت المادة الثانية منها تنص “الاسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسى للتشريع”.

لم أجهد نفسى كثيرا فى بحث يثبت أن النخبة التى تنادى بالدولة المدنية – إن كان هناك ما يسمى بذلك – لا يوجد لديها تعريف أو فهم للجملة التى تملئ مسامعنا صباحًا مساءًا .

لم أفهم إذا كان جميع من يتحدث عن هذه الدولة المدنية المزعومة لا يذكرون أى إختلاف عن حديث الدولة الدينية – التى تبدو لى واضحة بعض الشيئ – فالجميع يرى أن المادة الثانية من الدستور تعبر عن “المجتمع المسلم” ولا يجور لنا حتى فتح نقاش حولها وحول مساحة تدخلها فى القانون، والجميع على إختلافة يريد عدالة إجتماعية لا يذكر لنا ما هى شكلها، والجميع يريد مشاريع قومية تنفذها الدولة لتنهض بالاقتصاد، والجميع بالطبع يرى أنه علينا أن نعدل إتفاقية السلام أو حتى نطرد السفير الاسرائيلى حتى نثبت أننا وطنيون. فما الاختلاف إذن؟

لم تجهد النخبة “المدنية” نفسها فى فهم أعمق لأى من أفكارها، وفى مناخ عام من إعتبار العمل على الافكار يجب أن يكون ثانوى حتى يكون ذو معنى أو حتى شريف، يذهب أمثال صديقى المعمارى – والذى يحمل العديد من الافكار التى أقدرها رغم إختلافى عنها- إما إلى تمضية حياتهم بين خرسانات وهجرة داخلية أو خارجية يختفى فيها من يمكنهم دفع أفكارهم لتكون مصدر حياة لاجيال قادمة.