Skip to content

Archive for January, 2012

27
Jan

فى فهم سياسات الدعم

قضية دعم الطاقة

كانت الساعة تقترب من السادسة والنصف صباحًا، كنت نائمًا كالعادة، وجاء صوت صراخ قاطعًا هدوء الصباح، فما كان منى إلا أن هرعت نحو الشرفة بدقات قلب سريعة وعينين مفتوحتين، محاولا التعرف عما يدور بالشارع، رأيت رجلين ممسكًا كل منهم بالاخر وفى حالة عراك، أحدهم كان يغطى وجهه الدماء، صراخ النساء وسباب الرجال كان يتعالى، تأسفت لحالهم ولم أستطع أن أفعل المزيد. دخلت مرة أخرى لغرفتى محاولا الامساك بطرف النوم ولكنه كعادة هذه الايام يهرب دون عوده.

بعدها بساعات سألت أختى لماذا كان هذا العراك، كان ردها لى “ده كان علشان طابور العيش”. تختلف المواقف كلية حين تقرأ عنها فى الصحف وحين تحياها، فحين تحياها تتعدى كونها مجرد كلمات وسطور فى جريدة وإنما تبقى عالقة فى الذاكرة بصورتها كما هى لا تتحرك.(كان هذا الموقف فى صيف عام 2009) عاد هذا المشهد إلى ذهنى مع الاخبار العديدة التى يتم نقلها حول معارك تتم للحصول على أنبايب البوتاجاز أو صور للسيارات المتوقفة بالساعات أمام محطات الوقود.

يبدو منطقيًا لمن هم فى مثل حالتى الانضمام المباشر لصفوف المطالبين بسياسات زيادة الدعم ولوم الدولة على عدم توفيرها لخبز كاف، وأن دماء الرجل التى أسيلت أو ربما حياته التى كانت قرب قوسين أو أدنى من الانتهاء تمت بسبب تقاعس الدولة عن عدم توفير ما يلزم من حياة كريمة للمواطنين، وأن أرى فى أطروحات الاقتصاد الموجه الذى تقدمها النخب المصرية – على إختلافها – مخرج للحفاظ على حياة القطاعات الافقر فى المجتمع.

بينما يبدو إختيار الايمان بأفكار الرأسمالية بعيد تماما عما عايشته، خاصة فى ظل خطاب عام يرحب بتدخل الدولة فى كافة نواحى الحياة، وتجذر السخط على أفكار السوق الحر فى ظل غموض يكتنفها وسوء تفسير يُقدم لها، والذى يتمثل أفضلها فى “التيار الليبرالي المصرى” الذى يرى أن الرأسمالية نوعين، أحدهما حميد وهى الرأسمالية الوطنية والاخر خبيث وهى الرأسمالية الغربية.

ولما كان ذلك غريب للمقربين منى، فكانت الازمة الحالية للطاقة فرصة طيبة للحديث حول كيف أننى أجد فى الرأسمالية حل منطقى لمشاكل الفقر وخروج من سيطرة السياسين على حياة الافراد وإعطاء الافراد أكبر مساحة من الحرية الفردية.

لنقل أن الرجلين المتعاركين هما ” أحمد السباك” والاخر “محمود الجناينى”. أحمد يتقاضى أجره باليومية ولا ينتظم فيه نتيجه طبيعته وإيضا لحالة المعمار التى تتحرك ببطئ مما أثر على دخله بشكل سلبى، أما محمود فبحكم عمله لا يوجد لديه يومية وإنما حسب العمل المطلوب منه ومؤخرًا تقلص حجم المتعاملين معه بعد إقتناع عدد منهم أن الاستهلاك شيئ معيب ويجب التخلص منه، وأن على الناس الاستهلاك فى أضيق الحدود وفى الامور الرئيسية للحياة وبالطبع لم يكن التشجير شيئ منها. دفعتهم حالة كل منهم إلى هذا العراك.

المطالبين بزيادة الدعم، يتلخص موقفهم فى أن على الدولة توفير دعم أكبر لما تحتاجه هذه الطبقة، وفى هذا الطريق على الدولة أن تحصل مبالغ أكبر من الاغنياء لصالح هذه القضايا. يبدو ذلك غاية فى العدل، ولا ضرر منه على الاطلاق، ولكن فى الواقع هناك من المشاكل التى تسببها سياسات الدعم ما ينتهى بها إلى أضرار للفئات المستفيدة ودونها من فئات أخرى.

فى حالة الدعم، ولان الدولة لا يمكنها أن توفر النقود المطلوبة للدعم إلا من خلال المواطنين، فذلك يعنى بالضرورة أن عليها فرض ضرائب اعلى، مما يعنى أمر من إثنين إما زيادة فى نسبة البطالة أو زيادة فى الاسعار وفى الحالتين سيكون أكبر المتضررين هم القطاعات الافقر، ولكن الحديث عن نسب الضرائب العليا حديث غير.

رجوعًا إلى توضيح الضرر من سياسات الدعم، حين تقوم الدولة بدعم منتج ما، فهذا يعنى التدخل فى أليه تسعيره، مما يعنى ذلك ثلاثة أمور:

أولا: زيادة فى نسبة إستهلاك الموراد الطبيعية، ففى حالة أحمد ومحمود السابق ذكرهما، فإذا كان سعر الخبز هو جنيه واحد طبقًا لسعر السوق، وقامت الدولة بدعمه ليبقى خمسون قرشًا، سيزيد ذلك من نسبة إستهلاكه من قطاعات أكبر لرخص ثمنه، أو لاستخدامه كعلف للحيوانات، أو لبيع الدقيق فى السوق السوداء لان أصحاب المخابز سيحصلون على فائدة أكبر أو إذا كان المخبز حكومى سيستفيد القائم على إدراته بدخل مادى أكبر، وهذا كله سيعنى بالضرورة إلى إستهلاك وإهدار الموارد الطبيعية. وعدم توافر الخبز إلى الفئات المستهدفة.

ثانيا: التأثير على الصناعات المرتبطة، فى حالة ذهاب عدد من صغار التجار إلى إستبدال علف الحيوانات بالخبز، نتيجة رخص ثمنه عن العلف، سيؤدى هذا بتجار العلف إلى رفع الاسعار لتعويض الخسائر من الاستهلاك القليل، مما سيجعل تكلفة تربية الدواجن على التجار الكبار أعلى وسيعنى ذلك إرتفاع أسعار الدواجن على الموطنين مما سيؤدى بالضرورة لإرتفاع سعرها على الفئات التى إستهدفها الدعم فى بادئ الامر.

ثالثا: زيادة فى حجم الدولة، فى حالة ذهاب أصحاب المخابز والعاملين فى الدولة إلى بيع الدقيق فى السوق السوداء، ستضطر الدولة إلى التعامل مع هذه المشكلة، عن طريق محاولة وضع مراقبين أكثر على عملية توزيع وإنتاج الخبز، مما سيؤدى إلى إرتفاع مصاريف الدولة وسيؤدى هذا بالطبيعة إلى فرض مزيد من الضرائب وسيعود هذا بنا إلى زيادة فى الاسعار أو زيادة فى البطالة.

على الجانب الاخر تقدم سياسات الرأسمالية والليبرالية الكلاسيكية على السواء فى هذا الشأن، أمرين:

أولا: ضمان المنافسة بين أصحاب المخابز ومنتجى الخبز مما سيعنى بالضرورة، زيادة نسبة طلب العمل على “أحمد” و “محمود” لعملهم فى بناء المخابز أو منازل أصحابها او العاملين بها أو دون ذلك من الاعمال مما سيرفع من دخلهم وسيؤدى ذلك إلى ضمان حصولهم على نسب الخبز التى يحتاجونها، وسيؤدى هذا بمنتجى الخبز إلى تقديم أنواع مختلفة من الخبز بأسعار تناسب جميع الفئات الغنى والفقير على السواء وسيرفع ذلك نسبة الضرائب نتيجة زيادة نسبة الاعمال وتقليل نسب البطالة نتيجة زيادة نسبة المخابز التى ستتنافس لتوفير خدمة الخبز للمواطنين. ويكون دور الدولة الوحيد هو ضمان عدم وجود أى ممارسات إحتكارية.

ثانيا: العمل الفردى والطوعى لمساعدة الفئات الغير قادرة، بمعنى أوضح، تنطلق الليبرالية الكلاسيكية من أن على الافراد تحمل المسؤولية طوعًا لا قسرًا، وأن كل محاولات دفع الافراد إلى تحمل المسؤولية بشكل قسرى يؤدى إلى نتيجة عكسية، وفى هذا الشأن يبقى على الافراد المهتمين إقناع أكبر قدر من المواطنين بالمساهمة فى رفع معناة الاخرين سواء فى الخبز أو غيره من المشكلات، ومع إرتفاع دخل الافراد نتيجة زيادة أعمالهم والتوسع فيها سينعكس ذلك على نسبة المتبرعين وزيادة نسبهم.

إن الحالة الاولى نتائجها واضحة، سواء فى الواقع أو التاريخ أو النظرية ذاتها، والحالة الثانية بالمثل.

ختامًا سيبقى هناك فقراء وسيعانى الكثير من البشر مادامت البشرية على سطح البسيطة، يبقى همنا الاكبر هو تقليل مساحة المعاناة، لانها لن تلغى.

25
Jan

الثمن

”هب أن جلبة هائلة نشبت في الشارع حول أمر ما، وليكن عمودًا للإنارة يبتغي جمع من أصحاب النفوذ إزالته. يُسأل في الأمر راهب متسربل باللون الرمادي يحمل روح العصر الوسيط، فإذا هو يقول – بأسلوب الأكاديميين الجاف: ”لننظر بادئ ذي بدء، يا إخوان، في قيمة النور، إذا ما كان النور في ذاته حسنا—“ عندها يطرحه الجمع أرضًا، مبدين شيئا من الاعتذار، فيما يهرع الناس تجاه عمود الإنارة، ليسقطوه في غضون دقائق عشر، ثم يمضون مهنئين بعضهم البعض على واقعيتهم التي لا تمت بصلة للعصر الوسيط. لكن بمرور الوقت، لا تمضي الأمور بذات السهولة. فمن الناس من أسقط عمود الإنارة لأنه يريد المصباح الكهربي، ومنهم من أراد حديد الخردة، ومنهم من أراد الظلمة لأنهم يعملون السوء. منهم من حسب عمود الإنارة أقل من كاف، ومنهم من ظنه أكثر من اللازم، منهم من أراد تحطيم أملاك البلدية، ومنهم من أراد تحطيم شيء ما. لذا، فتدريجيًا وحتميا، اليوم وغدًا وبعد غد، تعود إلى الناس القناعة بأن الراهب كان محقا في النهاية، وأن الأمر برمته يقوم على فلسفة النور. فقط، ما كان بإمكاننا أن نناقش تحت ضوء المصباح، لابد وأن نناقشه الآن في الظلام“

جي كاي تشسترتن – الهراطقة (ترجمة المدون)

“Suppose that a great commotion arises in the street about something, let us say a lamp-post, which many influential persons desire to pull down. A grey-clad monk, who is the spirit of the Middle Ages, is approached upon the matter, and begins to say, in the arid manner of the Schoolmen, “Let us first of all consider, my brethren, the value of Light. If Light be in itself good—” At this point he is somewhat excusably knocked down. All the people make a rush for the lamp-post, the lamp-post is down in ten minutes, and they go about congratulating each other on their unmedieval practicality. But as things go on they do not work out so easily. Some people have pulled the lamp-post down because they wanted the electric light; some because they wanted old iron; some because they wanted darkness, because their deeds were evil. Some thought it not enough of a lamp-post, some too much; some acted because they wanted to smash municipal machinery; some because they wanted to smash something. And there is war in the night, no man knowing whom he strikes. So, gradually and inevitably, to-day, to-morrow, or the next day, there comes back the conviction that the monk was right after all, and that all depends on what is the philosophy of Light. Only what we might have discussed under the gas-lamp, we now must discuss in the dark.”

G.K. Chesterton – Heretics

22
Jan

بين إدراك الخطأ وتعديل المسار

عام على الثورة المصرية

خلال الايام القادمة سيمر عام على أحداث الخامس والعشرون من يناير، وما بين عام من النضال الثورى أفضى إلى برلمان بأغلبية شمولية ودولة على شفى الانهيار الاقتصادى، وبين خطاب لا يحمل إلا كلمات جوفاء دفع مئات الارواح إلى حتفها بوعود الخير المطلق. يأتى العام الجديد بآمال لم تتحقق حاملًا شعار “الثورة مستمرة” وبالرغم من كون العام الماضى كان إثبات جلى أن أغلبية المصريين لا يهتمون بالشأن العام -كغيرهم من البشر- وإن أهتموا فليست الثورة أول هذه الاهتمامات. فبين إستفتاء حصلت فيه القوى الثورية على ما يقارب العشرون بالمئة وإنتخابات كانت قوائم الثورة تحتل مؤخرة النتائج حتى فى أفضل الدوائر على الاطلاق، وأحزاب ثورية يمثلها أقطاب إعلامية، كحزب الدكتور: شادى الغزالى حرب، الذى لم يحصل إلا على يربو من (ثمانية عشر الف صوتًا) وقائمة الثورة مستمرة التى لم تحصل إلا على (أثنين ونصف بالمئة) من إجمالى الاصوات الصحيحة.

ظهر شعار “الثورة مستمرة” مجسدًا إدراك الثوار أن الثورة وأحلامها قد ولت، وأعتلى قمتها أصحاب القامات العليا سواء المؤسسة العسكرية أو الاسلاميين، فسر الثوار هذه النتيجة الغير متوقعة – بالنسبة لهم – على أنها إما ثورة مضادة أو خيانه لدماء الشهداء أو جهل ناخبين أو أن أمثالى ممن لم يساندوا الثورة أفسحوا المجال لسيطرة الاسلاميين، أو دونها من الاسباب التى ليس من بينها أن الثورة نفسها كانت فكرة خاطئة. لم ولن يُحمل الثوار أنفسهم مسؤوليه مساوئ العام الماضى من فقدان أرواح ومصادر رزق لكثير من المصريين، وإنما لخص أقطاب اليسار العام الماضى فى أن الانتخابات الاخيرة أثبتت أن بمصر ما يقارب 800 ألف تقدمى، وأن الثورة أصبح يؤمن بها ما يربو على مليون مصرى (فى إشارة لنسبة أصوات قائمة الثورة مستمرة) ولما كان هذا حديث غافل وإمساك بوهم وإعادة إنتاج خطاب نعيش نتاجه يوميًا، كان أبلغ رد على وجهات النظر هذه هى كلمات الحلاج “وهم لا يبصرون من العماء”.

إن ما أدعو إليه فى هذا المقال أمرين; اولهما: هو إدراك أن طريق الثورة لم يكن الطريق الاسلم، وأن الافضل هو إدراك الخطأ من التمادى فيه، ثانيا: تحديد المطالب دون الدخول فى معارك وهمية من نوعية حكم العسكر أو هدم الدولة بالكامل أو دونها من المعارك التى لا تقدم إلا إهدار للقوة.

وليبقى كلامى أكثر وضوحًا حين طالبت المجموعات اليسارية بمطالب واضحة كالافراج عن نشطاء بعينهم “كعلاء عبد الفتاح أو مايكل نبيل” أو عدم الالتجاء إلى محاكم عسكرية لمحاكمة المدنين، كانت النتيجة نجاح هذه المطالب، وهذا هو لُب فكرة الاصلاح، أن يكون هناك مطلب واضح ومحدد دون الدخول فى معارك أكبر من القوة المتاحة ودون التنازل عن المبادئ. ولهذا بالرغم من خلافى فى منطلق الافكار اليسارية إلا أن هذه المطالب كانت تبدو من العدالة والتحديد ما يجعل رفضها أمر صعب.

ولهذا أدعو التيارات التى تؤمن بالحرية الفردية على إختلافها إلى العمل على مطالب محدده وإدراك أنه لا فرق كبير بين دولة شمولية إسلامية ودولة شمولية يسارية، فالاثنين يتفقون بشكل ما أو بأخر فى تحويل الافراد إلى أدوات لدى الدولة وإلى طموح المجد لا الحرية الفردية.

ولهذا فأن تحديد المطالب يبدو سلاح هام فى مواجهة الدولة الشمولية التى ستبدو مع نهار يوم 23 يناير الحالى، وتحديد المطالب لا يعنى النزول عن المبادئ كما يفعل الكثير وعلى رأسهم الدكتور: عمرو حمزاوى، وإنما تحديد المطالب فى كل قضية وإدراك نقاط القوة والضعف والعمل عليها سيجنبنا إهدار القوة خاصة وأن قوتنا من القله ما ينبغى علينا التفكير مليًا فى عدم إهدارها فى قضايا واهمة، وأن القوى الاسلامية لديها تاريخ طويل من العمل الشاق على كافة الاصعدة فهم ما بين الاخوان الاكثر تنطيمًا وبين السلفيين المتغلغلين أيدلوجيًا يمتلكون قوة تزيد عنا أضعاف، ولهذا فأن مناقشة كل تفاصيل المشكلات هى أحد المداخل الهامة التى يمكنها بها إيقاف وتعطيل المشروع الشمولى المصرى حتى نقترب من قوة مكافئة للقوى الاسلامية.