Skip to content

Archive for September, 2012

26
Sep

هل ما قامت به منى الطحاوي يستحق العقاب؟


محاولة لفهم حرية الرأى والتعبير

 

لا أعرف السيدة منى الطحاوي بشكل شخصى، ولم أتعرف عليها إلا عبر الحادثة التى قامت خلالها بمحاولة الشطب على أحد الإعلانات الموجودة بإحدى محطات المترو بمدينة نيويورك الامريكية.

الحادثة وبشكل مختصر تتلخص فى أن السيدة الطحاوي قامت بطمس إعلان مساند لإسرائيل ترى أنه إعلان عنصرى وتؤمن أن هذا الإعتراض إعتراض سلمي، وعلى ما يبدو أن هناك سيدة لا توافق السيدة الطحاوي الرأى بل ويبدو أنها مقتنعة بمحتوى الإعلان، فقامت بالحول دون الطحاوي والإعلان.

لن أتطرق كثيرًا لمحتوى الإعلان، ولكن كل ما سأعمل على طرحه هو هل قامت السيدة الطحاوي بأمر يستحق توجيه التهم أم أنه تمييز عنصرى ضد العرب والمسلمين ومساندة لا عقلانية لإسرائيل؟ وهل يدخل ما قامت به السيدة الطحاوي ضمن حرية التعبير؟

فى حالات كهذه دوما ما يطفو على السطح ثلاثة أراء لا رابع لها، أولها: رأى المجموعات التى تفضل أن تطلق على نفسها أنها ليبرالية أو لنقل قومية مصرية، تتحرك هذه المجموعات دفاعًا عن إسرائيل بغض النظر عن محتوى الفعل وتقييمه بشكل مجرد، وهذه المجموعات التى تعرف نفسها دومًا تعريف سلبي، ترى أنك ما دمت ليبراليًا فعليك أن تقف فى صف السياسات الإسرئيلية. وثانى هذه الاراء:  مجموعة ترى أن الغرب وخاصة الولايات المتحدة شرًا أعظم معتمدين فى ذلك بالأساس على أنها دولة رأسمالية لا شيئ أبعد، وهذا الرأى والذى يعد يساري بامتياز يعلو صوته فى هذه الآونه ويتمحور تقيمهم لما قامت به السيدة الطحاوي أنه أمر فى غاية السلمية ولا يجب أن تعاقب عليه وقطعًا تتحول السيدة الطحاوى بين هذه المجموعات إلى ملهمة وتحمل صورها بعدها على الاعناق، ويتلو ذلك بالطبع إرفاق حديث خارج عن السياق حول كون الولايات المتحدة دولة عنصرية وتمَيز بين البشر ومكان  ينشر قيمًا سيئة للعالم. أما ثالث هذه الاراء: وهو أقرب ما يكون للشعبوية مما سواها، فيقوم على أن أمريكا تساند إسرائيل وإسرائيل تتحكم فى أمريكا ولهذا تم القبض على السيدة الطحاوى وليس هناك حرية رأى فى الولايات المتحدة وإنها تتاجر بالأمر لا أكثر ولا أٌقل.

وقطعًا تتفق المجموعتين الثانية والثالثة فى أن كل من هو ليبرالي يشبه المجموعة الأولى أو يساند الولايات المتحدة وبالتعبية إسرائيل بشكل أعمى.

وقبل أن أعود للإجابة على السؤال المطروح  فى هذه الحالة، أود التأكيد على أننى لن أدافع عن القيم الامريكية ليس لأنني أعتقد أن ذلك سُبَه، ولكن لأن لكل مقام مقال. وحتى لا نبتعد عن الموضوع نعود إلى السؤال مرة أخرى، هل ما قامت به السيدة الطحاوي حرية رأى أم يجب أن تعاقب عليه؟

حرية الرأى والتعبير من أشد الأمور تعقيدًا، ودوما يبقى السؤال ما هو الحد الذى يمكننا عنده أن نقول أن ذلك حرية تعبير وأن هذا تعدى على الاخرين.

وفى محاولة لهذا التحديد تظهر نظريات مختلفة، سأتحدث هنا عن الليبرالي منها والذى أؤمن به شخصيًا؛ والذى ينطلق من دور الدولة، فالدولة الليبرالية يجب أن تبقى عند أدنى حد لها فى التدخل فى حياة الأفراد، ولهذا تم التحديد فى كتابات عدة على أن الدولة تقوم بأمور ثلاثة ولا تزيد عنها ألا وهى: 1) حماية الأفراد من الإيذاء الجسدى 2) حماية الملكية  3) حماية التعاقدات، ومن هذا المنطلق لا تتدخل الدولة فى حرية الرأى والتعبير على الاطلاق إلا إذا نتج عنها إيذاء مادي أو ضرر بملكية. ولا يمكن للدولة أن تتدخل فى أى رأى لم يؤد إلى ضرر مادى واضح وملموس، وفى هذه الحالة إما أن يقوم المتضرر ذاته باللجوء إلى الدولة فى حال التعدى عليه بأذى مادى أو على ملكيته، أو أن تقوم الدولة من تلقاء نفسها حال وجود تعدي على الملكية تحت غطاء حرية الرأي، وهو ما حدث فى حالة السيدة الطحاوي.

فى نهاية الفيديو الذى يوضح الواقعة، تكرر السيدة الطحاوي أنها تعبر عن رأيها بسلمية وأن هذا تعبير سلمي عن الرأى ضد العنصرية، وفى هذا أمران أحدهما وهو تساؤل لمن يدافعون عن السيدة الطحاوي ويؤمنون بحرية الرأى، هل يجوز لنا أن نمحو ما نحن مختلفون معه؟ أو بمعنى أدق إذا رأى أي منا خطابًا لا يتوافق معه بل ويدرك أنه عنصرى هل يجوز لنا أن نمحيه؟

أما الثاني والخاص بهذا المقال، هل حقًا ما تقوم وقامت به السيدة الطحاوي تعبير سلمي عن الرأى، الإجابة واضحة دون شك أو لبس هي (لا) السيدة الطحاوي قامت بالتعدي الواضح على ملكية آخرين ولهذا تعدى تعبيرها حيز الرأى إلى حيز الإيذاء المادى واجب العقاب. ولهذا فأي حديث عن محتوى الإعلان ليس ذى صلة وليس فى محله، فقد يتفق المرء منا مع محتوى الاعلان أو يختلف ولكن يبقى الفعل فى حد ذاته خطأ بإعتباره تعد على الملكية يتوجب معه العقاب.

كان من الممكن أن تقوم السيدة الطحاوي بالوقوف بجانب الإعلان والتحدث مع المارة عن كون هذا الاعلان عنصريًا، أو تدشين حملة توضح من خلالها أن هناك إعلانات عنصرية يجب أن نواجهها ونطرح رؤية مختلفة لما يحويه الإعلان، ولكنها اختارت أن تمحو وجهة نظر أخرى محتمية فى ذلك بأنها تقوم بأمر سلمي وهو غير ذلك.

قُدمت السيدة الطحاوي للمحاكمة  بتهمة طلاء إعلان فى محطة مترو مدينة نيويورك  وليس بأى تهم أخرى لها أى علاقة بحديثها مع السيدة ووجهة نظرها فى الاعلان ومحتواه.

ولهذا وفى نهاية هذا المقال، أرى وبشكل واضح أن ما قامت به السيدة الطحاوى ليس تعبيرًا سلميًا عن الرأى وإنما تعد على ملكية آخرين، وحديثها فى الفيديو عن أن هذا تعبير سلمي عن الرأي حديث مغلوط وجب توضيحه.