Skip to content

Archive for January, 2015

1
Jan

المدن

عن هيجل

عندما بدأ الناس الحياة فى المدن، لم يفكر أحًد فى تخطيط المدن، بل قاموا فقط بإنشاء منازلهم ومتاجرهم ومصانعهم فى أى مكان بدا لهم أكثر ملائمة.

نمت المدن بطريقة فوضوية تمامًا. ثم أتى شخص ما وقال: “هذا أمر سيئ! نحن لا نفكر بشأن المظهر الذي نرغب فى أن تبدو عليه مدننا. حياتنا تحكمها المصدافة! نحتاج شخصًا ما لتخطيط مدننا، ليجعلها تتماشى مع تصورنا للجمال والحياة الجيدة”.

وهكذا ظهر مخططو المدن، الذين أزالوا الأحياء القديمة وأنشئوا مباني سكنية عالية عصرية، يحيط بها طوق من المروج الخضراء. وتم توسيع الطرق وتسويتها، ووضع المصانع بعناية بعيدًا عن المناطق السكنية. ثم جلس مخططو المدن فى انتظار أن يشكرهم الناس، لكن الناس تذمروا؛ لأنهم عندما ينظرون من شققهم المرتفعة لا يتمكنون من رؤية أطفالهم وهم يلعبون فى المروج التي تبعد مسافة عشرة أدوار عنهم؛ تذمروا لافتقادهم المتاجر الصغيرة المحلية، ولأن المسافة كانت بعيدة ليعبروا كل هذه المروج الخضراء وأماكن انتظار السيارات ليصلوا إلى مراكز التسوق: تذمروا لأنة نتيجة لاضطرار كل شخص الآن أن يقود سيارته إلى العمل، أصبحت تلك الطرق المستوية الواسعة الجديدة تعاني من اختناق مرور، وأسوأ من كل ذلك، أنهم تذمروا لأن أحدًا لم يعد يسير فى الشوارع؛ مما جعل الشوارع غير آمنه، وأصبح السير عبر هذه المروج الخضراء الفاتنة بعد أن يحل الظلام أمرًا خطيرًا.

ولذلك تم الاستغناء عن مخططي المدن القدامى، وظهر جيل جديد من مخططي المدن، كان قد تعلم من أخطاء سابقيهم. وأول ما قام به مخططوا المدن الجدد هو وقف هدم الأحياء القديمة.

وبدلًا من هذا، بدءوا ملاحظة السمات الإيجابية فى المدن القديمة غير المخططة، وراقتهم الآفاق المتععدة للشوراع الضيقة غير المستوية، ولاحظوا كيف كان ملائما وجود متاجر ومساكن وحتى مصانع صغيرة بعضها بجانب بعض، كما ولاحظوا كيف حدت هذه الشوارع من حركة المرور، وشجعت الناس على السير، وجعلت مركز المدينة نشطًا وآمنًا. وهذا لا يعني أن إعجابهم بالمدن القديمة غير المخططة كان بلا تحفظات؛ فكان هناك بعض الأشياء التى تحتاج إلى تنظيم، فتم نقل بعض الصناعات المزعجة على وجه الخصوص من المناطق السكنية، وتم ترميم العديد من المباني القديمة أو إحلال مبان بدلًا منها تتماشى مع البيئة المحيطة.

ومع ذلك فإن ما اكتشفة مخططوا المدن الجدد هو أن المدن القديمة كانت جيدة، وهذا هو العامل الذي يجب الحفاظ عليه، بصرف النظر عن الإصلاحات التى قد تظل مرجوة.