Skip to content

Archive for November, 2015

13
Nov

هل تغيرت الدولة المصرية … وهل أضحى للمنظمات القوة التي تمنينها؟

قراءة في الإفراج عن حسام بهجت

من هو حسام بهجت وماذا حدث له؟

قامت الدولة المصرية بإلقاء القبض على الصحفي والناشط الحقوقي حسام بهجت، وهو واحد بالرغم من صغر سنة إلا أنه أسس واحدة من أهم المنظمات في مصر خلال عشرة سنوات. تم التحقيق مع بهجت في مبني المخابرات العسكرية وذلك بعد نشره تحقيق – على الموقع الإخباري مدى مصر– مع أهالي ضباط تم القبض عليهم وسجنهم بتهم محاولة قلب نظام الحكم.

تم التحقيق مع بهجت وبعد أن قررت النيابة حبسة لأربعة أيام على ذمة التحقيق، تم إخلاء سبيله في اليوم التالي على قرار النيابة من قبل المخابرات الحربية، قام حسام -بعد خروجه بساعات قليلة- بكتابة بيان قصير وصف الواقعة من منطلق سرد للخطوات والخطوط العريضة لمشاركتها مع الجميع.

لماذا حسام مختلف عن غيره؟

لم يجمعني العمل وحسام إلا مرة واحدة على ما أذكر، إلا أنني – رأيت فيه دومًا مثل لا يمكنك إلا أن تحترمه – وفي هذا يمكنك أن تعدد الكثير من القرارات التي تجعلك تحترمه حتى وإن أختلفت معه.

على المستوي الشخصي شعرت براحة بالغة بعد إخلاء سبيله، وأن هم عظيم وإحساس بالظلم والعجز قد قل لحظة قراءة بيانه بعد خروجه، فحسام وغيره الكثيرون -والذي لا يمكنني حصر أسمائهم- ممن لا يتاجرون بالقضايا التي يدافع عنها بحثًا عن أضواء فارغة المعنى، فهو من القلائل الذين عرفتهم بشكل سريع وكان حقًا مختلف. فهو لم يخرج علينا في يوم وقرر أن يتحدث عن عظمته، أو ككثير ممن يمكن أن تقابلهم وترى فيهم غرور أجوف، أو حتى جعله النجاح والشهرة يخرج علينا -كما فعل كثير من مجنوني الشهرة الذي جلعهم السجن أبطال- ويتحدث عن دوره التاريخي لتغيير مصر. وبرغم معرفتي البسيطة به يمكنني أن أقول إنه حقًا إنسان صادق وليس مدعي ككثير من يلتسقون بالعمل العام.

خمسة أسئلة رئيسية بعد خروج حسام

خلال حديث لي مع أحد الأصدقاء عن إخلاء سبيل حسام، تذكرت النشوة التي إجتاحت عقول وقلوب كثير من الخلق ببلادي وقت الثورة المصرية، تذكرت تلك الجملة التي لازلت أكرهها “الناس خلاص عرفت طريق الميدان” هذه الجملة التي كلما ترددت ببالي أو أمامي أود لو أتمكن من الجمع بين كوني  “الرجل الأخضر” وأن أحمل صوت كصوت تلك المرأة في واحد من الأفلام الصينية، وأصرخ في الجميع بصوت يخترق نشوتهم المراهقة بقول ” إنتوا إزاي مش شايفين … عينيكوا وعقلكم اتسمحوا … ولا أنتوا أصلا عميان” وبغض النظر عن تأثيرها آنذاك الحامل للغضب الناتج من سطحية الجملة وشك إعتاد أن يجعلني كمفقود دون أمل. فالواقع المرئي يقول أنهم على حق، وأن الناس أدركت السبيل لحريتها، وعقلي يقف حائل كحيوان يكشر عن أنيابه يمنعك من العبور ويبقيك وحيدًا. لا أنت إستطعت أن تشعر بنشوتهم ولا أنت مرتاح بوحدتك مع أفكارك.

الكلمات القليلة التي تبادلتها وصديقي، الذي كان فخور بخروج حسام ويرى فيه أن الحكومة قد بدأت في تعلم الدرس، أعاد إلى ذاكرتي خوف من مستقبل لا أتمناه لحسام ولا لغيره. ودعاني أن أطرح علينا جميعًا عدد من الأسئلة التي يمكنها الأ تجعلنا ننزلق وراء فرحة مستحقه. وتضمن أن نبقي أعيينا على حكومة ودولة ترى صورتها المثلى كواحد من فتوات روايات نجيب محفوظ. والإجابة على هذه الإسئلة يمكنها أن تضمن لنا التصرف السليم وعدم نسيان ما حدث.

لا تتعدى الأسئلة أصابع اليد الواحدة الأول: هل تغيرت رؤية الدولة لنفسها بأن إحترام الناس لها والحفاظ على النظام يأتي من الفدرة على البطش .. وهل تغير مفهوم الرئيس السيسي عن حرية الرأي؟ الثاني: هل أصبح هناك معامل جديد في العلاقة بين المنظمات والصحافة الحرة من جانب والدولة من جانب أخر؟ الثالث: هل تغير موقف الغرب من دعم السيسي، وأضحى هناك خطوط واضحة لا يمكنهم دعمهم معها؟ الرابع: هل الدولة المصرية تتنتقم من المعارضين والنشطاء، وهل يمكنها أن تتحول في طريقة الإنتقام منهم وتأخذ طرق أخرى كالتصفية خارج الإطار القانوني والقضائي؟ الخامس: ما الذي يمكن أن نتعلمه من حالة حسام وهل هي قابلة للتكرار؟

الحلول الممكنة والخطوات الواجبة

قطعًا ليست الحلول المكتوبة أدناه هي الخطوات الوحيدة الممكنة، ولكنها الخطوات التي أتخيل إمكانيتها، وهي للنقاش وليست الحلول الوحيدة أو حتى الصحيحة، وقبل أن أذكر الحلول أود أن أؤكد على أمرين وهما ١) علينا ألا نغفل أن حسام أخلى سبيله وأن القضية والتهم كما هي ولم تسقط. ٢) أن هناك خطوات سريعة يمكننا القيام بها تضمن ألا يسوء الوضع أكثر مما هو وخطوات على المدى الطويل يجب أن نبدأ بالنظر إليها.

ويمكنني أن أذكر خمسة حلول ممكنة وهي:

الأول: التحالف بين المنظمات العاملة على الحرية الفردية للضغط من أجل تعديل القانون وتنحية الخلافات الفكرية. إن بقائنا جميعًا الأن أصبح في خطر أكثر من أي وقت مضى، وعلينا أن نعلم أنه لا سبيل إلا بالتعاون سويًا لضمان بقاء كل منا ليحقق بعدها السياسات التي يأمل أن تقوم الدولة بتبنيها، وإلغاء المواد التي يحاكم على إثرها حسام، إتخاذ حالة حسام كمثال لضرورة تغيير القانون وهنا يمكن للمنظمات العاملة على الحريات الفردية ببدأ حملة تقوم فيها بإستخدام حالة حسام لضرورة تعديل المواد القانونية. وان تدرك المنظمات المصرية التي تدافع عن الحريات الحريات الشخصية أنه لا سبيل لبقائها دونما التكاتف والتحالف.

الثاني: البدأ في تكوين علاقات قوية مع الجماعات المصرية التي يمكنها أن تؤثر على السلطة وتغير موقفها دائم العداء للحريات الفردية، فعلينا أن ندرك أننا كمدافعين عن الحريات الشخصية ليس لدينا حلفاء حقيقين داخل المجتمع، فلا الأحزاب السياسية ولا الصحافة ولا رجال الأعمال ولا الأكاديمين لدينا فيهم مجموعة يمكنها أن تمثل كتلة حرجة لا تستطيع الدولة التغاضي عنها، وقت إتخاذها قرارات تعصف بالحريات.

الثالث: التعاون مع الصحفيين والكتاب وإصدار تقارير للرصد والمدافعة لحالات إنتهاك حرية الرأي، تحديد الصحفيين والكتاب الذي يمكنهم دعم ضرورة تعديل القانون وإمدادهم بالمعلومات الضرورية الواجبة والحجج حول لماذا يجب أن يتم تعديل القانون، كما أن تقوم المنظمات بالعمل سويًا لضمان تكاتف الجهود والإستفادة بالقدرات المتاحة. إصدار تقارير دائمة ترصد وتبقي الواقع وتؤرخه.

الرابع: عدم المبالغة في تقدير قوة المنظمات الداخلية أو الخارجية، وإدراك مواقف وقوة الدولة وعدم إتخاذ الخطوة الحالية على أنها القاعدة وما دونها إستثنا، فبدون إدراك حجمنا الحقيقي لن نستطيع تحقيق أي خطوات تضمن لنا على الأقل السلامة الجسدية.

الخامس: السلامة الشخصية لحسام كونه أضحى خصم للدولة الأن ومثال لها على فقدها اليد الأعلى، الدولة المصرية طوال تاريخها المعاصر تقوم بالإنتقام من خصومها أو من المعارضين بالشكل القانوني في أغلب الأوقات، كانت خطوات الدولة هي خلق قانون معيب يرسخ للقمع بشكل قانوني، وتأتي بعدها السيطرة أو حتى تطوع بعض القضاة في إستخدام هذه المواد القانونية في التنكيل بالمواطنين، لم يكن خلال التاريخ الطويل فكرة الإنتقام خارج القانون أو تصفية المعارضين أو أصحاب الرأي، وكانت الدولة دومًا ما تتعامل مع أي ضغط عليها في هذا الشأن على أنه نظام قضائي ولا يمكنها التدخل في أحكامه، ولكن مع الحالة الحالية وضح أن هناك خطوة مختلفة وجديدة، وهو ما يضعنا أمام أمرين أولهما: أن الدولة تعرضت لضغط كبير سواء داخليًا من أجهزة على أخرى أو خارجيًا جعلها تأخذ خطوة للخلف. ثانيهما: أن الدولة يمكنها أن تتخذ الطريق الذي لم تتخذه بشكل واضح ورئيسي في سياستها مع المعارضين وهو التصفية خارج القانون. وهنا ما ينبغي علينا القيام به ولا أعلم كيف هو التأكد من السلامة الشخصية لحسام، حيث من الممكن أن تتعامل معه الدولة على أنه مثل لخصم يجب قهره.

لا يبقى في النهاية إلا أن أؤكد أننا كمنظمات لنا قوة، نعم ليس بالقدر الذي يتمناه أي منا، خاصة ممن يرون حياتهم تمر دونما شعور بإنجاز حياتي ولا يرون في الخروج من البلاد أو من العمل العام سبيل للراحة. لا يبقى أمامنا غير المحاولة الصادقة فهي سبلينا الوحيد للوصول إلى ما نرغب وإن لم نصل يكفينا أننا كنا مسؤولين تجاه أنفسنا وتجاه ما رأيناه خاطئ وحاولنا أن إصلاحه، حتى وإن نظر لنا الجميع على أننا مجموعة من السزج.

6
Nov

السياسات الخاطئة للسيسي

تحليل السياسات الإقتصادية في الخطاب الأخير للرئيس السيسي

في الدقيقة الخامسة والعشرون من الخطاب كرر السيد الرئيس جملة ثلاث مرات قال فيها “هي الفلوس دي هتيجي منين” وقتها كدت أقفز من الإثارة، كالمنتظر لركلة جزاء في الدقائق الأخيرة لمبارة كرة قدم، حبست أنفاسي وقلت بصوت مسموع “قول بقى يا شيخ الفلوس هتيجي منين … والنبي قول .. أبوس إيدك ” ومع صمت الرئيس لثواني وجدتني أقف على أطراف أصابعي منتظرًا الإجابة، وبحسرة مشجع كرة قدم مخضرم يرى الكرة تبعد أميال عن المرمى ويتهلل لها الجماهير الفريق المنافس محاولين إمسكاها، جاءت إجابة الرئيس على سؤالة بسؤال أخر قال فيه “هنحلها ولا إيه؟”.

بدأ السيد الرئيس خطابة الأخير -الذي أثار ضجة وهو يستحق- بسرد عدد من المعلومات عن التحديات الأمنية التي أنجز فيها الكثير -وهذا حقيقي- وبعدها إنتقل إلى الجزء الهام والأكبر من الخطاب والخاص بالسياسات الإقتصادية وهي محور هذا المقال.

بدأ السيسي فترته الرئاسيه بعدد من القرارت الإقتصادية -والتي لا يمكنني إلا أن أصفها بالهامة والشجاعة- يمكن تلخيصها في ثلاثة خطوات؛ أولهم: قرارات إصلاح منظومة الدعم ثانيهم: تخفيض الدين العام والذي كان وصل لـ ٩٠٪ من الناتج المحلي الأجمالي، وثالثهم: المؤتمر الإقتصادي والذي مثل خطوة رئيسية نحو الإهتمام الفعلي بالمشكلة الإقتصادية -وهذا قطعُا بغض النظر عن كل ما دار حولة من أحلام ووعود غير حقيقية من الدولة والإعلام بالتوزاي- وتقديم صورة مغيارة لمستقبل الإستثمار في مصر.

وبغض النظر عن ضبابية رؤية الرئيس – وتعامله مع السياسات العامة بمفهوم السرية – كانت هذه الخطوات كافية بالنسبة لي أن أنظر للرجل بشكل مختلف، فخطوات كهذه أوضحت أنه مسؤول من الناحية الإقتصادية، ولكن هذا لم يمنع أن الصورة والحكم النهائي آنذاك لم يتضحا بعد.

بعد مرور ١٧ شهر – كما أشار لهم الرئيس – بدأ ضباب الشهور الأولى يرتفع ومعه تظهر ملامح الرؤية الإقتصادية -حيث أن الرؤية السياسية ورؤية الحريات كانت واضحة من يومها الأول- شيئًا فشيئ، لذا كان واجب علينا أن نناقش هذه الرؤية حتى وإن لم يرتاح الرئيس للنقد أو لمناقشة أفكارة وسياساته، ورأى أن النقاش حولها هو عراك وهدم للوطن، وهي بالتأكيد ليس كما يعتقد.

تحدث السيد الرئيس عن عدد من السياسات الإقتصادية والتي يمكنني أن أقول وبوضوح أن بها مشكلات رئيسية، في رؤيته لدوره ودور الدولة وشكل الإقتصاد المصري، بدا الرئيس وكأنه يتجه بخطوات ثابته نحو إختيارات أغلبها إن لم جميعها خاطئ، ذكرني هذا الخطاب والسياسات التي طرحت خلاله، بحديث لي مع صديق عن إمكانية وجود تشابه بين السيسي وعبد الناصر -وذلك في بدايات الفترة الرئاسية – فكان رد صديقي “عبد الناصر كان مثال للشخص اللي مقرر يختار كل إختيار خاطئ، ولحد دلوقتي السيسي مش عامل كده على الأقل في الإقتصاد”، ويمكننا فيما يلي تحليل أهم ثلاثة نقاط تحدث عنهم الرئيس في الشأن الإقتصادي وتوضيح لماذا يختار الرئيس السياسات الخاطئة ويصر عليها.

النقطة الأولى: المشروع القومي للطرق – والذي يراه الرئيس مرادف للتنمية – وهو واحد من المشروعات الضخمة التي دخل بها الرئيس فترتة الرئاسيه والتي لم يتحدث عن أي منها خلال ترشحه للرئاسة، وتعامل معها على أنها سرعسكري وهي ليست كذلك، وبغض النظر عن أن المشروع يقوم أغلبه على تطوير وبناء طرق في صحارى لا يطالها ولا يحتاجها المصريون، والبنية التحتية إرتفعت بنسبة ٤٢.٢ ٪ في موازنة العام الماضي عن العام الذي سبقه بإنفاق زيادة ١٨ مليار جنية وبإجمالي يزيد عن ٤٠ مليار جنية، وفي الحقيقة وبهذا الإنفاق الضخم يبقى علينا أن نسأل، كيف كان لنا أن نستفيد بهذه الأموال؟ هل هناك قطاعات او مواطنين يحتاجون لهذه الأموال وهذه الأستثمارات أولى من طرق الصحراء؟ خاصة وأن الرئيس ينوي إستكمال المشروع القومي للطرق وإنفاق ٥٠ مليار جنية أخرى.

النقطة الثانية: ضبط الأسعار، مع معدل للربع الأول وصل النمو لـ ٤٪ ومعدل تضخم ٩٪ إرتفعت الأسعار بشكل واضح، مع بطئ شديد في حركة البيع والشراء وهو ما يمكن أن يضع مصر وللمرة الأولى أمام فترة من الكساد التضخمي، وبغض النظر عن أننا كمصريين لم نمر بإقتصاد إنكماشي حتى طوال سنوات الإضطراب الماضية. جاء خطاب الرئيس معلنًا أن الجيش والدولة سيقوموا بتخفيض الأسعار من خلال توفير سلع بسعر منخفض. ولكن ما الضرر في ذلك؟ وفي هذا يمكننا ذكر ثلاثة أضرار وهم:

١) زيادة في الإنفاق العام وفي المقابل زيادة للضرائب، وبشكل مبسط الدولة ستقوم بزيادة إنفاقها من خلال دعم أو فتح أسواق جديدة، وهو ما يعني  تعيين عاملين جدد للعمل في هذه الأسواق وكافة تكاليف المحالات مما يعني زيادة مصروفات حكومية وبالتالي زيادة للضريبة وبالتالي زيادة للأسعار التي يهدف الرئيس إلى تقليلها. ٢) الإضرار بالسوق ومزيد من البطالة وإرتفاع الأسعار، السوق هو كل واحد منا هو صاحب السيارة التي تنقل البضاعة والسائق الذي يعمل عليها، هو صاحب محل الخضار، هي صاحبة فرشة الطعام بالشارع، وصاحب كل شركة مهما كانت صغيرة أو كبيرة، كل هولاء هم السوق وغيرهم، وحين تقوم الحكومة والجيش بمنافستهم فهذا يعني ضرر لهم ومزيد من البطالة لجميع من ذكروا وغيرهم  ممن يشترون او يبيعون لهم السلع، ولكن قد يقول أحدهم وما المشكلة أنهم جشعون ويستحقون أن يعانوا من البطالة، ولكن في الحقيقة قد يكونوا جشعين وقد لا يكونوا، إن الدولة لن تبيع بأسعار السوق وإنما ستقوم بدفع فارق السعر من الضرائب وستعمل على خسارة كافة القطاعات الأخرى، نظرًا لوجود دعم مالي لا متناهي لها وليس موجود للأخرين، فقط لتبقى الدعم الشعبي للرئيس وليس لضمان تحسين الحالة الإقتصادية للمصريين. ٣) خدمة ومنتجات سيئة، قد لا يعلم الكثيرون منكم أن مصر كانت منذ ثلاثون عامًا تقريبًا كما يريدها الرئيس الأن، لا يوجد فيها غير الجمعيات الإستهلاكية، هي المصدر الوحيد للسلع –ويمنكم التمتع بهذا الفيلم الذي ينقل الحالة المصرية آنذاك –  بعدما أغلق الجميع نتيجة المنافسة الغير عادلة والتي أنهت حياة كل السوق المصري بأموالهم لصالح الدولة، كان الوضع كالتالي خدمة في منتهى السوء لا يمكنك الإعتراض عليها، الدولة تتحكم ماذا تأكل وماذا تشرب، وبعد سنوات قصيرة تفرغ المجمعات الإستهلاكية ولا يجد المواطنون من يغيثهم. وقتها لن يظهر إلا القطاع الخاص الذي يود الرئيس أن يقتله وهم بائع الخضار وصاحب المحل والسائق وصاحب السيارة.

النقطة الثالثة: مدينة دمياط لأثاث، في نهاية الخطاب ذكر الرئيس أن خلال ١٥ عام مضت لم يتحقق من مشروع الـ ١٠٠٠ مصنع إلا ٤٠٠ فقط، وبالرغم من إداركة لذلك إلا أنه يقوم بنفس الخطوات، الـ ٤٠٠٠ بئر، المليون فدان، المشروع القومي للطرق، المشروع القومي للصوامع، حفر أنفاق تحت قناة السويس في وضع إقتصادي شديد الصعوبة يتطلب ترشيد الإنفاق.

المستمع الطبيعي حين يسمع أن الدولة ستقوم بتجهيز المكان وشراء المعدات وغيرها، يقول “وإيه المشكلة يعني .. هو حد يكره حاجة تيجي من الحكومة وببلاش”  ولكن الحقيقة أن الحكومة لا تقدم أي شيئ مجانًا وأن هذه السياسات تعني أن هناك تكلفة على الدولة تقوم بسحبها من الضرائب – وهو ما يؤدي لإرتفاع الأسعار – لتمويل مشروعات لم يطلبها أي شخص، دمياط تعمل كما هي، كل ما تحتاجة من الدولة هو تنظيم لتملك الأراضي التي يعملون عليها، وتسهيلات لإستيراد المعدات وتسهيلات للتسجيل وإبعاد البيرقراطية والحكومة بخيرها وشرها عنهم وهم سيكسبون رزقهم وسيحسنون منتاجتهم كما فعلوا لمئات السنين بدون الدولة.

في النهاية سأذكر واقعة أخيرة من خطاب الرئيس حين تحدث عن الأسكندرية وذكر أنه كان يتابع مع ضابط الجيش مسألة مياة الأمطار، زادني كلامه حزنًا، إن السياسية الحالية في إقحام الجيش في كل مناحي الحياة المدنية له عيوب عديدة أهمها ١) إنهاء الحياة المدنية والإقتصاد الذي نحيا عليه جميعًا وعدم معالجة جهاز حكومي يلتهم ما يقارب من ثلث الموازنة العامة. ٢) تشتيت الجيش عن مهتمة الرئيسية فلا يمكننا الحديث عن جندي مدرب وضابط مهني محترف يقف في سوبر ماركت أو في محطة بنزين أو مزرعة لتربية الدواجن.

إن الإصرار على دخول الجيش في الإقتصاد هو مدمر للإقتصاد ذاته من ناحية، ومدمر للجيش من ناحية أخرى. يجب أن يبقى الجيش لدوره الهام في الحفاظ على الأمن والدفاع عن البلاد، وهو ما لا يمكن تحققه في حالة إنشغاله بسوبر ماركت أو محطات بنزين أو حتى بناء طرق.