Skip to content

November 6, 2015

السياسات الخاطئة للسيسي

by Mahmoud Farouk

تحليل السياسات الإقتصادية في الخطاب الأخير للرئيس السيسي

في الدقيقة الخامسة والعشرون من الخطاب كرر السيد الرئيس جملة ثلاث مرات قال فيها “هي الفلوس دي هتيجي منين” وقتها كدت أقفز من الإثارة، كالمنتظر لركلة جزاء في الدقائق الأخيرة لمبارة كرة قدم، حبست أنفاسي وقلت بصوت مسموع “قول بقى يا شيخ الفلوس هتيجي منين … والنبي قول .. أبوس إيدك ” ومع صمت الرئيس لثواني وجدتني أقف على أطراف أصابعي منتظرًا الإجابة، وبحسرة مشجع كرة قدم مخضرم يرى الكرة تبعد أميال عن المرمى ويتهلل لها الجماهير الفريق المنافس محاولين إمسكاها، جاءت إجابة الرئيس على سؤالة بسؤال أخر قال فيه “هنحلها ولا إيه؟”.

بدأ السيد الرئيس خطابة الأخير -الذي أثار ضجة وهو يستحق- بسرد عدد من المعلومات عن التحديات الأمنية التي أنجز فيها الكثير -وهذا حقيقي- وبعدها إنتقل إلى الجزء الهام والأكبر من الخطاب والخاص بالسياسات الإقتصادية وهي محور هذا المقال.

بدأ السيسي فترته الرئاسيه بعدد من القرارت الإقتصادية -والتي لا يمكنني إلا أن أصفها بالهامة والشجاعة- يمكن تلخيصها في ثلاثة خطوات؛ أولهم: قرارات إصلاح منظومة الدعم ثانيهم: تخفيض الدين العام والذي كان وصل لـ ٩٠٪ من الناتج المحلي الأجمالي، وثالثهم: المؤتمر الإقتصادي والذي مثل خطوة رئيسية نحو الإهتمام الفعلي بالمشكلة الإقتصادية -وهذا قطعُا بغض النظر عن كل ما دار حولة من أحلام ووعود غير حقيقية من الدولة والإعلام بالتوزاي- وتقديم صورة مغيارة لمستقبل الإستثمار في مصر.

وبغض النظر عن ضبابية رؤية الرئيس – وتعامله مع السياسات العامة بمفهوم السرية – كانت هذه الخطوات كافية بالنسبة لي أن أنظر للرجل بشكل مختلف، فخطوات كهذه أوضحت أنه مسؤول من الناحية الإقتصادية، ولكن هذا لم يمنع أن الصورة والحكم النهائي آنذاك لم يتضحا بعد.

بعد مرور ١٧ شهر – كما أشار لهم الرئيس – بدأ ضباب الشهور الأولى يرتفع ومعه تظهر ملامح الرؤية الإقتصادية -حيث أن الرؤية السياسية ورؤية الحريات كانت واضحة من يومها الأول- شيئًا فشيئ، لذا كان واجب علينا أن نناقش هذه الرؤية حتى وإن لم يرتاح الرئيس للنقد أو لمناقشة أفكارة وسياساته، ورأى أن النقاش حولها هو عراك وهدم للوطن، وهي بالتأكيد ليس كما يعتقد.

تحدث السيد الرئيس عن عدد من السياسات الإقتصادية والتي يمكنني أن أقول وبوضوح أن بها مشكلات رئيسية، في رؤيته لدوره ودور الدولة وشكل الإقتصاد المصري، بدا الرئيس وكأنه يتجه بخطوات ثابته نحو إختيارات أغلبها إن لم جميعها خاطئ، ذكرني هذا الخطاب والسياسات التي طرحت خلاله، بحديث لي مع صديق عن إمكانية وجود تشابه بين السيسي وعبد الناصر -وذلك في بدايات الفترة الرئاسية – فكان رد صديقي “عبد الناصر كان مثال للشخص اللي مقرر يختار كل إختيار خاطئ، ولحد دلوقتي السيسي مش عامل كده على الأقل في الإقتصاد”، ويمكننا فيما يلي تحليل أهم ثلاثة نقاط تحدث عنهم الرئيس في الشأن الإقتصادي وتوضيح لماذا يختار الرئيس السياسات الخاطئة ويصر عليها.

النقطة الأولى: المشروع القومي للطرق – والذي يراه الرئيس مرادف للتنمية – وهو واحد من المشروعات الضخمة التي دخل بها الرئيس فترتة الرئاسيه والتي لم يتحدث عن أي منها خلال ترشحه للرئاسة، وتعامل معها على أنها سرعسكري وهي ليست كذلك، وبغض النظر عن أن المشروع يقوم أغلبه على تطوير وبناء طرق في صحارى لا يطالها ولا يحتاجها المصريون، والبنية التحتية إرتفعت بنسبة ٤٢.٢ ٪ في موازنة العام الماضي عن العام الذي سبقه بإنفاق زيادة ١٨ مليار جنية وبإجمالي يزيد عن ٤٠ مليار جنية، وفي الحقيقة وبهذا الإنفاق الضخم يبقى علينا أن نسأل، كيف كان لنا أن نستفيد بهذه الأموال؟ هل هناك قطاعات او مواطنين يحتاجون لهذه الأموال وهذه الأستثمارات أولى من طرق الصحراء؟ خاصة وأن الرئيس ينوي إستكمال المشروع القومي للطرق وإنفاق ٥٠ مليار جنية أخرى.

النقطة الثانية: ضبط الأسعار، مع معدل للربع الأول وصل النمو لـ ٤٪ ومعدل تضخم ٩٪ إرتفعت الأسعار بشكل واضح، مع بطئ شديد في حركة البيع والشراء وهو ما يمكن أن يضع مصر وللمرة الأولى أمام فترة من الكساد التضخمي، وبغض النظر عن أننا كمصريين لم نمر بإقتصاد إنكماشي حتى طوال سنوات الإضطراب الماضية. جاء خطاب الرئيس معلنًا أن الجيش والدولة سيقوموا بتخفيض الأسعار من خلال توفير سلع بسعر منخفض. ولكن ما الضرر في ذلك؟ وفي هذا يمكننا ذكر ثلاثة أضرار وهم:

١) زيادة في الإنفاق العام وفي المقابل زيادة للضرائب، وبشكل مبسط الدولة ستقوم بزيادة إنفاقها من خلال دعم أو فتح أسواق جديدة، وهو ما يعني  تعيين عاملين جدد للعمل في هذه الأسواق وكافة تكاليف المحالات مما يعني زيادة مصروفات حكومية وبالتالي زيادة للضريبة وبالتالي زيادة للأسعار التي يهدف الرئيس إلى تقليلها. ٢) الإضرار بالسوق ومزيد من البطالة وإرتفاع الأسعار، السوق هو كل واحد منا هو صاحب السيارة التي تنقل البضاعة والسائق الذي يعمل عليها، هو صاحب محل الخضار، هي صاحبة فرشة الطعام بالشارع، وصاحب كل شركة مهما كانت صغيرة أو كبيرة، كل هولاء هم السوق وغيرهم، وحين تقوم الحكومة والجيش بمنافستهم فهذا يعني ضرر لهم ومزيد من البطالة لجميع من ذكروا وغيرهم  ممن يشترون او يبيعون لهم السلع، ولكن قد يقول أحدهم وما المشكلة أنهم جشعون ويستحقون أن يعانوا من البطالة، ولكن في الحقيقة قد يكونوا جشعين وقد لا يكونوا، إن الدولة لن تبيع بأسعار السوق وإنما ستقوم بدفع فارق السعر من الضرائب وستعمل على خسارة كافة القطاعات الأخرى، نظرًا لوجود دعم مالي لا متناهي لها وليس موجود للأخرين، فقط لتبقى الدعم الشعبي للرئيس وليس لضمان تحسين الحالة الإقتصادية للمصريين. ٣) خدمة ومنتجات سيئة، قد لا يعلم الكثيرون منكم أن مصر كانت منذ ثلاثون عامًا تقريبًا كما يريدها الرئيس الأن، لا يوجد فيها غير الجمعيات الإستهلاكية، هي المصدر الوحيد للسلع –ويمنكم التمتع بهذا الفيلم الذي ينقل الحالة المصرية آنذاك –  بعدما أغلق الجميع نتيجة المنافسة الغير عادلة والتي أنهت حياة كل السوق المصري بأموالهم لصالح الدولة، كان الوضع كالتالي خدمة في منتهى السوء لا يمكنك الإعتراض عليها، الدولة تتحكم ماذا تأكل وماذا تشرب، وبعد سنوات قصيرة تفرغ المجمعات الإستهلاكية ولا يجد المواطنون من يغيثهم. وقتها لن يظهر إلا القطاع الخاص الذي يود الرئيس أن يقتله وهم بائع الخضار وصاحب المحل والسائق وصاحب السيارة.

النقطة الثالثة: مدينة دمياط لأثاث، في نهاية الخطاب ذكر الرئيس أن خلال ١٥ عام مضت لم يتحقق من مشروع الـ ١٠٠٠ مصنع إلا ٤٠٠ فقط، وبالرغم من إداركة لذلك إلا أنه يقوم بنفس الخطوات، الـ ٤٠٠٠ بئر، المليون فدان، المشروع القومي للطرق، المشروع القومي للصوامع، حفر أنفاق تحت قناة السويس في وضع إقتصادي شديد الصعوبة يتطلب ترشيد الإنفاق.

المستمع الطبيعي حين يسمع أن الدولة ستقوم بتجهيز المكان وشراء المعدات وغيرها، يقول “وإيه المشكلة يعني .. هو حد يكره حاجة تيجي من الحكومة وببلاش”  ولكن الحقيقة أن الحكومة لا تقدم أي شيئ مجانًا وأن هذه السياسات تعني أن هناك تكلفة على الدولة تقوم بسحبها من الضرائب – وهو ما يؤدي لإرتفاع الأسعار – لتمويل مشروعات لم يطلبها أي شخص، دمياط تعمل كما هي، كل ما تحتاجة من الدولة هو تنظيم لتملك الأراضي التي يعملون عليها، وتسهيلات لإستيراد المعدات وتسهيلات للتسجيل وإبعاد البيرقراطية والحكومة بخيرها وشرها عنهم وهم سيكسبون رزقهم وسيحسنون منتاجتهم كما فعلوا لمئات السنين بدون الدولة.

في النهاية سأذكر واقعة أخيرة من خطاب الرئيس حين تحدث عن الأسكندرية وذكر أنه كان يتابع مع ضابط الجيش مسألة مياة الأمطار، زادني كلامه حزنًا، إن السياسية الحالية في إقحام الجيش في كل مناحي الحياة المدنية له عيوب عديدة أهمها ١) إنهاء الحياة المدنية والإقتصاد الذي نحيا عليه جميعًا وعدم معالجة جهاز حكومي يلتهم ما يقارب من ثلث الموازنة العامة. ٢) تشتيت الجيش عن مهتمة الرئيسية فلا يمكننا الحديث عن جندي مدرب وضابط مهني محترف يقف في سوبر ماركت أو في محطة بنزين أو مزرعة لتربية الدواجن.

إن الإصرار على دخول الجيش في الإقتصاد هو مدمر للإقتصاد ذاته من ناحية، ومدمر للجيش من ناحية أخرى. يجب أن يبقى الجيش لدوره الهام في الحفاظ على الأمن والدفاع عن البلاد، وهو ما لا يمكن تحققه في حالة إنشغاله بسوبر ماركت أو محطات بنزين أو حتى بناء طرق.