Skip to content

Posts by Amr Bargisi

25
Jan

الثمن

”هب أن جلبة هائلة نشبت في الشارع حول أمر ما، وليكن عمودًا للإنارة يبتغي جمع من أصحاب النفوذ إزالته. يُسأل في الأمر راهب متسربل باللون الرمادي يحمل روح العصر الوسيط، فإذا هو يقول – بأسلوب الأكاديميين الجاف: ”لننظر بادئ ذي بدء، يا إخوان، في قيمة النور، إذا ما كان النور في ذاته حسنا—“ عندها يطرحه الجمع أرضًا، مبدين شيئا من الاعتذار، فيما يهرع الناس تجاه عمود الإنارة، ليسقطوه في غضون دقائق عشر، ثم يمضون مهنئين بعضهم البعض على واقعيتهم التي لا تمت بصلة للعصر الوسيط. لكن بمرور الوقت، لا تمضي الأمور بذات السهولة. فمن الناس من أسقط عمود الإنارة لأنه يريد المصباح الكهربي، ومنهم من أراد حديد الخردة، ومنهم من أراد الظلمة لأنهم يعملون السوء. منهم من حسب عمود الإنارة أقل من كاف، ومنهم من ظنه أكثر من اللازم، منهم من أراد تحطيم أملاك البلدية، ومنهم من أراد تحطيم شيء ما. لذا، فتدريجيًا وحتميا، اليوم وغدًا وبعد غد، تعود إلى الناس القناعة بأن الراهب كان محقا في النهاية، وأن الأمر برمته يقوم على فلسفة النور. فقط، ما كان بإمكاننا أن نناقش تحت ضوء المصباح، لابد وأن نناقشه الآن في الظلام“

جي كاي تشسترتن – الهراطقة (ترجمة المدون)

“Suppose that a great commotion arises in the street about something, let us say a lamp-post, which many influential persons desire to pull down. A grey-clad monk, who is the spirit of the Middle Ages, is approached upon the matter, and begins to say, in the arid manner of the Schoolmen, “Let us first of all consider, my brethren, the value of Light. If Light be in itself good—” At this point he is somewhat excusably knocked down. All the people make a rush for the lamp-post, the lamp-post is down in ten minutes, and they go about congratulating each other on their unmedieval practicality. But as things go on they do not work out so easily. Some people have pulled the lamp-post down because they wanted the electric light; some because they wanted old iron; some because they wanted darkness, because their deeds were evil. Some thought it not enough of a lamp-post, some too much; some acted because they wanted to smash municipal machinery; some because they wanted to smash something. And there is war in the night, no man knowing whom he strikes. So, gradually and inevitably, to-day, to-morrow, or the next day, there comes back the conviction that the monk was right after all, and that all depends on what is the philosophy of Light. Only what we might have discussed under the gas-lamp, we now must discuss in the dark.”

G.K. Chesterton – Heretics

25
Dec

استطراد عاجل حول الكارثة الاقتصادية

منذ يومين، خفضت ”موديز“ التصنيف الائتماني للسندات الحكومية المصرية للمرة الرابعة على التوالي هذا العام. هذه العبارة تبدو وكأنها ”حاجة وحشة“ (كالإسلاميين بالضبط) لكن فهم مكمن ”الوحاشة“ فيها أقل أهمية من أن يدرج على جدول أعمال السيرك القومي المنصوب على ناصية النقاش العام في مصر. لا عجب: فالنخب الليبرالية المهووسة بشبكات التواصل الاجتماعي على الأجهزة الرقمية، لم تزل تقبع في عصور ما قبل الأرقام، وهو ما لم يعد معقولا ولا مقبولا. في وقت تكرَّس فيه مئات الصفحات والساعات التلفزيونية للحديث عن الشرف الرفيع الذي لم يسلم من الأذى في التحرير أو العباسية، تقترب الدولة المصرية من كارثة اقتصادية محققة، فيما قد يعني أن تغدو مصر ”صومالا على النيل“ – على حد تعبير معلق غربي – في أسوأ الاحتمالات، أو إعادة هيكلة الاقتصاد المصري بالكامل لمصلحة الإسلاميين في أحسنها.

اليوم تخرج علينا المصري اليوم بخبر هذا مستهله:

كشف مصدر مسؤول بوزارة التخطيط والتعاون الدولى، أن صندوق النقد وضع اشتراطات لمنح مصر قرضا بنحو ٣.٢ مليار دولار، تضمنت رفع الدعم عن البنزين والكهرباء. وقال المصدر لـ”المصرى اليوم“ إن بعثة صندوق النقد الدولى التى غادرت القاهرة فى ٦ نوفمبر الماضى، لاتزال تنتظر الرد بقبول هذه الاشتراطات.

لنغض الطرف عن أن الحكومة المصرية، إن صح الخبر، تعرف بهذه الشروط منذ 6 نوفمبر دون أن تعلنها، إنما علينا أن ننتبه لأننا – ودون مبالغة – بصدد التحول الأهم على الإطلاق في مسار الأحداث منذ نزول مبارك عن الحكم. مربط الفرس هاهنا ليس التغير في موقف الصندوق ودلالة هذا التغير، وإنما سقوط المسلمة الرئيسية التي يركن إليها العلمانيون المصريون، الثوريون منهم وغير الثوريين، عن وعي أو غير وعي: أن المسألة الاقتصادية تنحصر في تعويض الخسائر الناجمة عن الاضطراب السياسي في العام المنصرم، وأننا، بعد الاقتراض والمساعدات الدولية، سرعان ما سنعود إلى نقطة الصفر (ما قبل  25 يناير) لنبدأ الحركة من هناك.

الخلل الرئيسي في هذه المسلمة مرده العجز عن فهم التحول الجذري في السياسة المالية المصرية في عهد حكومة نظيف. في السنة المالية 2003، كانت القيمة الكلية للدعم 7 مليار جنيه تقريبا، بما يساوي 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي و5.1% من مجمل الإنفاق الحكومي، في ظل عجز موازنة بنسبة 10.4% من الناتج المحلي الإجمالي. في السنة المالية 2008، أصبحت القيمة الكلية للدعم 84.2 مليار جنيه بما يوازي 9.4% من الناتج المجلي الإجمالي (أي ما يربو على 5 أضعاف) ، وحوالي 30% من مجمل الإنفاق الحكومي، في ظل عجز موازنة 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي (أقل بما يزيد عن الـ3%). هذه الأرقام لا تعني فقط أداءً اقتصاديًا استثنائيا يتجاوز تغطية الزيادة المهولة في الإنفاق العام إلى خفض نسبة العجز من حد الانهيار إلى مستوى أكثر من مقبول، بل أيضا تحول نمط الدولة المصرية نفسه من دولة عالم ثالث يتهددها الإفلاس كل بضعة أعوام، إلى دولة استحقاق – ولا أقول دولة رفاه – متزنة محاسبيا، يقترب فيها الإنفاق على الدعم والخدمات الاجتماعية من ثلث الإنفاق العام.

المشكلة الرئيسية لهذا النمط، والتي بح صوت الاقتصاديين في بيانها منذ اختراع دولة الرفاه، أنه معلق في رقبة الاستقرار الاقتصادي، بحيث يؤدي أي تغير ديموغرافي أو اقتصادي جدي بما يزيد النفقات أو يقلص الموارد إلى انهيار النموذج بالكامل. في الحالة المصرية، أدى تراجع النشاط الاقتصادي إلى تقلص عائدات الضرائب ومن ثم إلى تفاقم عجز الموازنة، وهو ما سيضطر الحكومة لزيادة الضرائب أو الاقتراض أو كليهما معا. فأما زيادة الضرائب  فتعني إضعاف فرص الاستثمار، وبالتالي تقليص العوائد الضريبية المستقبلية، أي زيادة عجز الموازنة مستقبلا بما يؤجل المشكلة دون أن يحلها. وهنا يكون على الحكومة أن تختار بين الاقتراض المحلي والاقتراض الأجنبي. فأما الاقتراض المحلي، فمعناه مزاحمة crowding out القطاع الخاص على سوق الائتمان المحلي، بما يعني تقليل فرص المستثمرين في الاقتراض، وهكذا وصولا إلى نفس النتيجة السابقة. هذا بالإضافة إلى أن تكلفة الاقتراض المحلي (سعر الفائدة) مرتفعة للغاية، وهو ما سيزيد من المصروفات المستقبلية وبالتالي يفاقم عجز الموازنة. وأما الاقتراض الأجنبي، فهو رهين تقييم المقرض لحالة الاقتصاد القائمة، وكلما ساء التقييم قيدت القروض بشروط يفرضها المقرض حسب مصلحته الاقتصادية أو السياسية. فإذا ما كان المقرض كيانا مؤسسيًا غربيًا، يكون تقييمه على أساس التصنيف الائتماني، وتكون شروطه اجراءات تقشفية لخفض الإنفاق العام، وتحديدًا الإنفاق الاجتماعي، كما هو حال اليونان مع الاتحاد الأوروبي، أو حالنا مع صندوق النقد.

إذا ما استبعدنا التهاويم الاشتراكية من قبل التأميم والمصادرة، يبقى أمامنا أحد اختيارين، إما تفكيك نموذج دولة الاستحقاق بالكامل، أي رفع الدعم بوسيلة أو أخرى، أو العثور على مقرض غير غربي بشروط أخرى. الاختيار الأول، مع إيماني بسلامته النظرية، كارثي. فبغض النظر عن دعم الخبز، وهو هامشي على أي حال، فمن يقدر على إقناع المصريين (بعد ثورة العدالة الاجتماعية) أن يشتروا لتر البنزين أو السولار بسعر يتراوح بين أربعة وسبعة جنيهات (هذا إن صمد الجنيه عند سعره القائم في مواجهة الدولار، أو لم يرتفع سعر خام النفط لأي سبب كان)؟ ارتفاع أسعار النقل سيؤدي إلى زيادة مهولة في أسعار كافة السلع، وقد نسقط في فخ الكساد التضخمي بانهيار الطلب المحلي مع ارتفاع الأسعار، هذا إن لم ننحدر إلى الفوضى الكاملة إن قرر المصريون الاحتجاج.

أما الاختيار الثاني فكارثي أيضًا، فهو يعني أولا الإبقاء على نمط الإنفاق العام القائم لينفجر آجلا، وثانيا، وهو الأهم، فيعني خروج مصر عن المنظومة الاقتصادية العالمية لمصلحة الإسلاميين. بشكل أكثر وضوحا، إذا ما نجح الإسلاميون في دفع صانع القرار لتدبير الخمسة عشر مليارًا المطلوبة لإنقاذ الموقف من مصادر غير غربية،  ستغدو مهمتهم في السيطرة على الاقتصاد أكثر سهولة بكثير، خاصة إذا ما نجحوا في توفير ما يكفي من الاستثمارات الخليجية أو التركية أو حتى الصينية لاحقا. وهنا يتلاشى أمل الليبراليين في دور مزعوم للمجتمع الدولي في التصدي لتحول كامل نحو شمولية إسلامية (وهو، أي هذا الأمل، ما استدركه علي تدوينتي الأخيرة معلق كريم).

الحل الوحيد هو الضغط على الصندوق وغيره من المانحين الغربيين باتجاه التجاوز عن أي شروط عاجلة، مع السعي حثيثا للوصول إلى حل لرفع الدعم على المدى المتوسط أو البعيد. كذلك يجب الضغط على المجلس العسكري والحكومة للتخلي عن الشوفينية في هذه المسألة، وكفاهم ما أفسدوه بالعناد على مدار الشهور القليلة الماضية. والقول الأخير لليبراليين: ليس هذا محل شماتة ولا رغبة في ”تلبيس“ الإسلاميين، هذه مسؤولية تاريخية، فلنكن على قدرها أو لنحملنّ وزرها إلى أبد الآبدين.

16
Dec

القول المبين في المعركة المرتقبة مع الإسلاميين (2)

ثانيا: الدفاع بما يستطاع

في حدود علمي، ليس ثم سابقة تاريخية لحركة شمولية نزلت عن الحكم، سواءً أكانت قد اعتلت سدته بالطريق الديمقراطي أو بغيره، دون ثمن باهظ. فمن يظن النصر في المعركة المرتقبة مع الإسلاميين يسيرًا محتومًا إما واهم أو أحمق. فأما الوهم فقد بددته في الحلقة السابقة ما استطعت، وأما الحمق فلا دواء له عندي، ولا أحسب أن له دواءً عند غيري. فإذا استقر في صدورنا اليقين بأننا ولا ريب سنخسر الكثير في سبيل الخلاص، يبقى أن نميز بين ما هو ثانوي وما هو جوهري، بين ما يمكن أن نضحي به – ولو كان بنا خصاصة – وما لا ينبغي التفريط فيه. باختصار، نعرف أننا بصدد هجمة كاسحة على الحريات العامة والخاصة، وعلى مؤسسات الدولة، بل وعلى بنية المجتمع المصري ذاته، كما نعرف أننا قصيرو اليد قليلو الحيلة، إذن فلا مناص لنا إلا أن نقنع بالدفاع على عدد محدود من الجبهات، بما يضمن لنا البقاء من ناحية، ومن ناحية أخرى يتيح لنا أن نسترد آجلا ما سوف نخسره عاجلا.

ولهذا فإنني، وبعد طول تفكير، قد اخترت توجهات أربعة بانت نذائرها في الآونة الأخيرة لتكون محاور استراتيجيتي الدفاعية، وجميعها – كما سيتبين لكم – تنبع من خطابات أو ظواهر مجتمعية راسخة، وليست حكرًا على الإسلاميين ومن والاهم.

1-      تقييد حرية الرأي

ليست حرية الرأي واحدة من بين حريات عدة يرتكز عليها الفكر الليبرالي وحسب، بل هي الدعامة الرئيسية التي يقوم عليها هذا الفكر من الأًصل. ففي ظل القناعات الليبرالية الراسخة أنه (أ) لا يجوز لفرد أن يفرض اختيارًا ما على آخر بطريق القسر، و(ب) أن اختيارات الأفراد تختلف تبعًا لإراداتهم الحرة، و(ج) أن الأفراد مضطرون إلى العيش مع بعضهم في مجتمعات، وبالتالي يحتاجون إلى التأثير في اختيارات الآخرين، تغدو الحرية المطلقة للرأي شرطًا لازما لقيام المجتمع ذاته. والأهم أننا نعرف – بالتجربة التاريخية وبالمنطق – أن حرية الرأي تسبق كافة الحريات الأخرى، وإلا فكيف كان تحريم العبودية ليغدو ممكنا، إن لم تسبقه حرية الرأي القائل بالتحريم؟

لا عجب إذن أن يزهو الفيلسوف الأعظم ”إيمانويل كانت“ بأنه يعيش في البلد الوحيد الذي يرفع حاكمه شعار ”ناقش ما تريد كيفما تريد، فقط أطع“. كان ”كانت“ يعرف أن القانون مهما كان جائرًا، مصيره أن يتغير إن كان للناس أن ينتقدوه، وأن استبداد حاكم – كمليكه ”فريدريش الأكبر“ – لن يدوم طويلا إن كان للناس أن يعارضوه. بل إن أبا الفلسفة ”سقراط“ ارتضى حكم القانون ليشرب السم بيديه، مقابل أن يقف مدافعًا عن رأيه أمام المحكمة ليطعن في شرعية هذا الحكم وهذا القانون. أقولها بوضوح: ليفرض الإسلاميون ما شاءوا من قيود، ليمنعوا الخمور أو يلزموا النساء بالحجاب (مع خالص الاعتذار لنجيب ساويرس)، ليبدلوا نظام البنوك أو يفرضوا الجزية، إن استطعنا أن ننتزع منهم حرية الرأي كاملة غير منقوصة، تكون خسارتنا أهون كثيرا من تقييد حرية الرأي وإتاحة ما عداها. التحدي الأهم، وأعتذر منكم على التكرار، هو صياغة خطاب سياسي يقنع عموم المصريين بما نراه حقا، فالمشكلة ليست أن الإسلاميين يريدون فرض هذه السياسة أو تلك، إنما أن غالبية المصريين قد فوضتهم لذلك. في استطلاع أجرته ”بيو“ في ديسمبر 2010 بين المسلمين المصريين، 84% من العينة أيدوا تطبيق حد الردة، أي إعدام كل من يترك الإسلام إلى دين آخر أو غير دين. السؤال، سيداتي وسادتي، إن كان يمكن إقناع هؤلاء بغير ذلك، وهو ما لن يتأتي إذا حجبت حرية الرأي.

فقط، وقبل أن أغادر هذه النقطة، أود التمييز بين حرية الرأي وحرية التعبير. فالتعبير يشمل، إلى جانب الرأي، الفنون والآداب وأساليب أخرى متنوعة للتواصل والاحتجاج. حديثي هنا يقتصر على الرأي وفقط، الحجة المكتوبة أو المقيلة. فتوسيع الدائرة سيؤدي إلى تشتيت الجهود في معتركات لا تقدم ولا تؤخر. ومن ثم فإنني أدعو كل مدافع عن حريته في التعبير أن يلجأ للدفاع عن هذه الحرية بالرأي أولا، ليقنع بني وطنه بالكلمة قبل أن يصدمهم بالفعل، لئلا ينتهي به الحال بلا كلمة ولا فعل، ويبدد حياته ووقتنا في صراعات هامشية. أقولها ولا أزيد.

2-      تقييد حرية التنظيم

الأشكال الثلاثة الأهم للتنظيم هي الأحزاب والمنظمات غير الحكومية والنقابات. فأما الأحزاب فلا تهمني في قليل أو كثير، لأنها التمثل الأخير للممارسة السياسية، فبعد أن يوجد الخطاب والحركة والتيار، نتساءل عن الحزب، وليس أدل على هذا من الإخوان والسلفيين. وأما المنظمات غير الحكومية، فهي عندي – لأسباب كثيرة ليس أهونها انتمائي للمنظمة التي أكتب على صفحات مدونتها الآن – حجر الزاوية في تشكيل مستقبل السياسة المصرية، والليبرالية المصرية بالأخص. فالمنظمات الحقوقية هي المدافع الأول عن الحريات العامة والفردية، ومراكز التفكير Think Tanks – حين تنشأ – هي الأمل الوحيد في صياغة الخطاب الذي لم أزل أبشر به حتى كرهتموني. القضية الكبرى للمنظمات غير الحكومية، فيما عدا مسألتي التأسيس والحل اللتين لا تتسع لهما المساحة هاهنا، هي التمويل. التمويل المحلي ميؤوس منه (مع خالص الاعتذار لنجيب ساويرس)، والتمويل الأجنبي موضع شك من الجميع. لا ريب أن ولع المصريين بالمؤامرات يلعب الدور الرئيسي في تأجيج الصراع السفيه حول هذه القضية، وليس الليبراليون بأبرياء من هذا الولع، وهم من يملأ الدنيا ضجيجًا حول التمويل القطري والسعودي المزعوم للإسلاميين. علينا أن ندير دفة الحوار المجتمعي بعيدا عن ماهية التمويل ومصدره، للحديث عن شفافية التمويل. فلنقلها عالية بينة: ليس المهم من أين تأتي بالمال، المهم هو الإعلان عن المصدر وكيفية الإنفاق. المسألة لا علاقة لها بالسيادة الوطنية وما غير ذلك من المفاهيم والنعرات القومية المنقرضة، الأموال تتدفق من وإلى كل ركن على وجه الأرض، والحكومات – بيت السيادة – أول المستفيدين.

أما النقابات، بصورتها الأحادية القائمة، فهي عنصر رئيسي في بناء النظام الكوربوراتي الفاشستي الذي تحدثت عنه آنفا، حيث تضمن التماهي شبه الكامل بين الدولة من جهة والنشاط الاقتصادي من جهة أخرى. فالنقابة الأحادية، والتي يفترض بها الدفاع عن صاحب المهنة في مواجهة رب العمل أو الدولة وهما ذات الشيء في كثير من الأحوال، ليست إلا ذراع الدولة في الهيمنة على أصحاب المهن وإخضاعهم بالشدة حينا (الشطب) وباللين أحيانا (الخدمات الاجتماعية). وعجز النقابات عن فرض هذه الهيمنة في عهد النظام السابق مرده نجاح الإسلاميين في السيطرة عليها، ووصول الإسلاميين للحكم يعني تفعيل هذا الدور وإعادة النقابات إلى الصيغة الناصرية مع صبغة أيديولوجية أكثر شمولية. لابد إذن من فتح ملف التعددية النقابية بما يسمح بفك الارتباط بين الدولة والعمل النقابي، وبالرغم من كون هذا الملف يساريًا بامتياز، فإن اليسار المصري، بكل طوائفه، لم يبرح بعد العقد الثاني من القرن العشرين، ومن ثم فلا رجاء إلا أن يخوض الليبراليون هذا الصراع ولو بالوكالة.

3-      هوس التطهير

من حسن الحظ أن المصريين في معظمهم لم يسمعوا بالاختراع المسمى بالمقصلة، وإلا لغرقت القاهرة في بحر من الدماء كما غرقت باريس في أعقاب الثورة الفرنسية قبل ما يربو على القرنين. والهوس بالتطهير في مصر أصله قناعة راسخة أن الفساد المالي هو أصل كل الشرور، وقناعة أرسخ أن مصر هي أفسد بلدان الأرض طرًا. بالطبع فإن أي محاولة مني للإحالة للأرقام لن تلقى اعتبارًا، لكن لا بأس إن ذكرت أن مؤشر الفساد في الصين، التي يجلها كل مصري وكأنها أمه، يكاد يتطابق ومثيله المصري. لكن، ولو سلمنا بأن الفساد يغمر مصر من أقصاها إلى أقصاها، فحتى جنوب أفريقيا، التي كانت تعيش تحت أسوأ نظام سياسي عرفته البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، انتهجت طريق المصالحة الوطنية بعد سقوط نظام الفصل العنصري، لتغفر لكل مذنب – ولو بالقتل الجماعي – فور اعترافه بما اقترف على الملأ.

المصيبة الوبيلة التي يحملها هذا الهوس في طياته، كونه ذريعة للإسلاميين لكي يعيدوا تنظيم مؤسسات الدولة كما يحلو لهم فور تسلمهم مقاليد الحكم. لا أتكلم هنا عن إجراءات إدارية في مصالح غير ذات بال كالشؤون الاجتماعية وحسب، وإنما تعديل كامل لخريطة المؤسسات السيادية كالشرطة والخارجية كذلك. إن لم نستطع تخفيف حدة خطاب التطهير وصولا إلى صيغة منطقية للتصالح مع الماضي، سينتهي الأمر بنا إلى دولة مصرية جديدة كلية، يتحكم الإسلاميون في مفاصلها دون منازع.

4-      هجرة النفس والمال

خروج غير الإسلاميين، مسلمين وأقباطا وأجانب، بأنفسهم وأموالهم من مصر أفواجا كارثة محتومة. لن تكون المرة الأولى، فقد خرج اليهود واليونانيون والطليان من قبلهم وتركوا البلد واقتصاده لعبد الناصر ليفعل فيهما ما يشاء. لكن الاختلاف أن المشروع الناصري اقتصر فيما جر من خراب على مصر وبعض بلدان المنطقة، أما المشروع الإسلامي فآماله كونية وطموحاته تمتد إلى سائر أرجاء المعمورة. اختصارًا، الهارب من عين الإعصار – على حد التعبير الإنجليزي – كالمستجير من الرمضاء بالنار – على حد التعبير العربي، ولن يلبث أن تطاله، أو ذريته، يد الإسلاميين أينما استقر به الرحال، ولو في نيوزيلندا. ولذا فإني أقول، محض البقاء مقاومة، وما قد نقدر عليه اليوم، قد نعجز عنه غدًا ولو بأضعاف الثمن.

بالطبع فإن مقولتي هذه تقتصر على غير الثوريين من أمثالي، أما المناضلون الملحميون، فأنا على استعداد للمساهمة معهم في نفقات التأشيرة وتذاكر الطيران، ولو اضطررت للاقتراض.

16
Dec

القول المبين في المعركة المرتقبة مع الإسلاميين (2)

ثانيا: الدفاع بما يستطاع

في حدود علمي، ليس ثم سابقة تاريخية لحركة شمولية نزلت عن الحكم، سواءً أكانت قد اعتلت سدته بالطريق الديمقراطي أو بغيره، دون ثمن باهظ. فمن يظن النصر في المعركة المرتقبة مع الإسلاميين يسيرًا محتومًا إما واهم أو أحمق. فأما الوهم فقد بددته في الحلقة السابقة ما استطعت، وأما الحمق فلا دواء له عندي، ولا أحسب أن له دواءً عند غيري. فإذا استقر في صدورنا اليقين بأننا ولا ريب سنخسر الكثير في سبيل الخلاص، يبقى أن نميز بين ما هو ثانوي وما هو جوهري، بين ما يمكن أن نضحي به – ولو كان بنا خصاصة – وما لا ينبغي التفريط فيه. باختصار، نعرف أننا بصدد هجمة كاسحة على الحريات العامة والخاصة، وعلى مؤسسات الدولة، بل وعلى بنية المجتمع المصري ذاته، كما نعرف أننا قصيرو اليد قليلو الحيلة، إذن فلا مناص لنا إلا أن نقنع بالدفاع على عدد محدود من الجبهات، بما يضمن لنا البقاء من ناحية، ومن ناحية أخرى يتيح لنا أن نسترد آجلا ما سوف نخسره عاجلا.

ولهذا فإنني، وبعد طول تفكير، قد اخترت توجهات أربعة بانت نذائرها في الآونة الأخيرة لتكون محاور استراتيجيتي الدفاعية، وجميعها – كما سيتبين لكم – تنبع من خطابات أو ظواهر مجتمعية راسخة، وليست حكرًا على الإسلاميين ومن والاهم.

1-      تقييد حرية الرأي

ليست حرية الرأي واحدة من بين حريات عدة يرتكز عليها الفكر الليبرالي وحسب، بل هي الدعامة الرئيسية التي يقوم عليها هذا الفكر من الأًصل. ففي ظل القناعات الليبرالية الراسخة أنه (أ) لا يجوز لفرد أن يفرض اختيارًا ما على آخر بطريق القسر، و(ب) أن اختيارات الأفراد تختلف تبعًا لإراداتهم الحرة، و(ج) أن الأفراد مضطرون إلى العيش مع بعضهم في مجتمعات، وبالتالي يحتاجون إلى التأثير في اختيارات الآخرين، تغدو الحرية المطلقة للرأي شرطًا لازما لقيام المجتمع ذاته. والأهم أننا نعرف – بالتجربة التاريخية وبالمنطق – أن حرية الرأي تسبق كافة الحريات الأخرى، وإلا فكيف كان تحريم العبودية ليغدو ممكنا، إن لم تسبقه حرية الرأي القائل بالتحريم؟

لا عجب إذن أن يزهو الفيلسوف الأعظم ”إيمانويل كانت“ بأنه يعيش في البلد الوحيد الذي يرفع حاكمه شعار ”ناقش ما تريد كيفما تريد، فقط أطع“. كان ”كانت“ يعرف أن القانون مهما كان جائرًا، مصيره أن يتغير إن كان للناس أن ينتقدوه، وأن استبداد حاكم – كمليكه ”فريدريش الأكبر“ – لن يدوم طويلا إن كان للناس أن يعارضوه. بل إن أبا الفلسفة ”سقراط“ ارتضى حكم القانون ليشرب السم بيديه، مقابل أن يقف مدافعًا عن رأيه أمام المحكمة ليطعن في شرعية هذا الحكم وهذا القانون. أقولها بوضوح: ليفرض الإسلاميون ما شاءوا من قيود، ليمنعوا الخمور أو يلزموا النساء بالحجاب (مع خالص الاعتذار لنجيب ساويرس)، ليبدلوا نظام البنوك أو يفرضوا الجزية، إن استطعنا أن ننتزع منهم حرية الرأي كاملة غير منقوصة، تكون خسارتنا أهون كثيرا من تقييد حرية الرأي وإتاحة ما عداها. التحدي الأهم، وأعتذر منكم على التكرار، هو صياغة خطاب سياسي يقنع عموم المصريين بما نراه حقا، فالمشكلة ليست أن الإسلاميين يريدون فرض هذه السياسة أو تلك، إنما أن غالبية المصريين قد فوضتهم لذلك. في استطلاع أجرته ”بيو“ في ديسمبر 2010 بين المسلمين المصريين، 84% من العينة أيدوا تطبيق حد الردة، أي إعدام كل من يترك الإسلام إلى دين آخر أو غير دين. السؤال، سيداتي وسادتي، إن كان يمكن إقناع هؤلاء بغير ذلك، وهو ما لن يتأتي إذا حجبت حرية الرأي.

فقط، وقبل أن أغادر هذه النقطة، أود التمييز بين حرية الرأي وحرية التعبير. فالتعبير يشمل، إلى جانب الرأي، الفنون والآداب وأساليب أخرى متنوعة للتواصل والاحتجاج. حديثي هنا يقتصر على الرأي وفقط، الحجة المكتوبة أو المقيلة. فتوسيع الدائرة سيؤدي إلى تشتيت الجهود في معتركات لا تقدم ولا تؤخر. ومن ثم فإنني أدعو كل مدافع عن حريته في التعبير أن يلجأ للدفاع عن هذه الحرية بالرأي أولا، ليقنع بني وطنه بالكلمة قبل أن يصدمهم بالفعل، لئلا ينتهي به الحال بلا كلمة ولا فعل، ويبدد حياته ووقتنا في صراعات هامشية. أقولها ولا أزيد.

2-      تقييد حرية التنظيم

الأشكال الثلاثة الأهم للتنظيم هي الأحزاب والمنظمات غير الحكومية والنقابات. فأما الأحزاب فلا تهمني في قليل أو كثير، لأنها التمثل الأخير للممارسة السياسية، فبعد أن يوجد الخطاب والحركة والتيار، نتساءل عن الحزب، وليس أدل على هذا من الإخوان والسلفيين. وأما المنظمات غير الحكومية، فهي عندي – لأسباب كثيرة ليس أهونها انتمائي للمنظمة التي أكتب على صفحات مدونتها الآن – حجر الزاوية في تشكيل مستقبل السياسة المصرية، والليبرالية المصرية بالأخص. فالمنظمات الحقوقية هي المدافع الأول عن الحريات العامة والفردية، ومراكز التفكير Think Tanks – حين تنشأ – هي الأمل الوحيد في صياغة الخطاب الذي لم أزل أبشر به حتى كرهتموني. القضية الكبرى للمنظمات غير الحكومية، فيما عدا مسألتي التأسيس والحل اللتين لا تتسع لهما المساحة هاهنا، هي التمويل. التمويل المحلي ميؤوس منه (مع خالص الاعتذار لنجيب ساويرس)، والتمويل الأجنبي موضع شك من الجميع. لا ريب أن ولع المصريين بالمؤامرات يلعب الدور الرئيسي في تأجيج الصراع السفيه حول هذه القضية، وليس الليبراليون بأبرياء من هذا الولع، وهم من يملأ الدنيا ضجيجًا حول التمويل القطري والسعودي المزعوم للإسلاميين. علينا أن ندير دفة الحوار المجتمعي بعيدا عن ماهية التمويل ومصدره، للحديث عن شفافية التمويل. فلنقلها عالية بينة: ليس المهم من أين تأتي بالمال، المهم هو الإعلان عن المصدر وكيفية الإنفاق. المسألة لا علاقة لها بالسيادة الوطنية وما غير ذلك من المفاهيم والنعرات القومية المنقرضة، الأموال تتدفق من وإلى كل ركن على وجه الأرض، والحكومات – بيت السيادة – أول المستفيدين.

أما النقابات، بصورتها الأحادية القائمة، فهي عنصر رئيسي في بناء النظام الكوربوراتي الفاشستي الذي تحدثت عنه آنفا، حيث تضمن التماهي شبه الكامل بين الدولة من جهة والنشاط الاقتصادي من جهة أخرى. فالنقابة الأحادية، والتي يفترض بها الدفاع عن صاحب المهنة في مواجهة رب العمل أو الدولة وهما ذات الشيء في كثير من الأحوال، ليست إلا ذراع الدولة في الهيمنة على أصحاب المهن وإخضاعهم بالشدة حينا (الشطب) وباللين أحيانا (الخدمات الاجتماعية). وعجز النقابات عن فرض هذه الهيمنة في عهد النظام السابق مرده نجاح الإسلاميين في السيطرة عليها، ووصول الإسلاميين للحكم يعني تفعيل هذا الدور وإعادة النقابات إلى الصيغة الناصرية مع صبغة أيديولوجية أكثر شمولية. لابد إذن من فتح ملف التعددية النقابية بما يسمح بفك الارتباط بين الدولة والعمل النقابي، وبالرغم من كون هذا الملف يساريًا بامتياز، فإن اليسار المصري، بكل طوائفه، لم يبرح بعد العقد الثاني من القرن العشرين، ومن ثم فلا رجاء إلا أن يخوض الليبراليون هذا الصراع ولو بالوكالة.

3-      هوس التطهير

من حسن الحظ أن المصريين في معظمهم لم يسمعوا بالاختراع المسمى بالمقصلة، وإلا لغرقت القاهرة في بحر من الدماء كما غرقت باريس في أعقاب الثورة الفرنسية قبل ما يربو على القرنين. والهوس بالتطهير في مصر أصله قناعة راسخة أن الفساد المالي هو أصل كل الشرور، وقناعة أرسخ أن مصر هي أفسد بلدان الأرض طرًا. بالطبع فإن أي محاولة مني للإحالة للأرقام لن تلقى اعتبارًا، لكن لا بأس إن ذكرت أن مؤشر الفساد في الصين، التي يجلها كل مصري وكأنها أمه، يكاد يتطابق ومثيله المصري. لكن، ولو سلمنا بأن الفساد يغمر مصر من أقصاها إلى أقصاها، فحتى جنوب أفريقيا، التي كانت تعيش تحت أسوأ نظام سياسي عرفته البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، انتهجت طريق المصالحة الوطنية بعد سقوط نظام الفصل العنصري، لتغفر لكل مذنب – ولو بالقتل الجماعي – فور اعترافه بما اقترف على الملأ.

المصيبة الوبيلة التي يحملها هذا الهوس في طياته، كونه ذريعة للإسلاميين لكي يعيدوا تنظيم مؤسسات الدولة كما يحلو لهم فور تسلمهم مقاليد الحكم. لا أتكلم هنا عن إجراءات إدارية في مصالح غير ذات بال كالشؤون الاجتماعية وحسب، وإنما تعديل كامل لخريطة المؤسسات السيادية كالشرطة والخارجية كذلك. إن لم نستطع تخفيف حدة خطاب التطهير وصولا إلى صيغة منطقية للتصالح مع الماضي، سينتهي الأمر بنا إلى دولة مصرية جديدة كلية، يتحكم الإسلاميون في مفاصلها دون منازع.

4-      هجرة النفس والمال

خروج غير الإسلاميين، مسلمين وأقباطا وأجانب، بأنفسهم وأموالهم من مصر أفواجا كارثة محتومة. لن تكون المرة الأولى، فقد خرج اليهود واليونانيون والطليان من قبلهم وتركوا البلد واقتصاده لعبد الناصر ليفعل فيهما ما يشاء. لكن الاختلاف أن المشروع الناصري اقتصر فيما جر من خراب على مصر وبعض بلدان المنطقة، أما المشروع الإسلامي فآماله كونية وطموحاته تمتد إلى سائر أرجاء المعمورة. اختصارًا، الهارب من عين الإعصار – على حد التعبير الإنجليزي – كالمستجير من الرمضاء بالنار – على حد التعبير العربي، ولن يلبث أن تطاله، أو ذريته، يد الإسلاميين أينما استقر به الرحال، ولو في نيوزيلندا. ولذا فإني أقول، محض البقاء مقاومة، وما قد نقدر عليه اليوم، قد نعجز عنه غدًا ولو بأضعاف الثمن.

بالطبع فإن مقولتي هذه تقتصر على غير الثوريين من أمثالي، أما المناضلون الملحميون، فأنا على استعداد للمساهمة معهم في نفقات التأشيرة وتذاكر الطيران، ولو اضطررت للاقتراض.

12
Dec

القول المبين في المعركة المرتقبة مع الإسلاميين (1)

عاتبني بعض المقربين على إفراطي في الكتابة بالإنجليزية وتفريطي في الكتابة بالعربية، علاوة على أني إن كتبت بالأخيرة قلت ”ما لا يفهم“، ومن ثم فقد ارتأيت أن أعرض لهذا العنوان في عجالة، قبل أن أعود بعد طول انقطاع لأكمل سلسلتي في شأن المسؤولية بما لا يفهم.

يعلم القاصي قبل الداني أن الإسلاميين – كما تنبأ أصحاب هذه المدونة – قد اكتسحوا المرحلة الأولى من انتخابات مجلس الشعب، والأرجح أنهم في طريقهم لتثبيت هذا الفوز، إن لم يزيدوا عليه، في المرحلتين المقبلتين. لذا، فليس حديث الساعة إلا عن معركة مقبلة بين الإسلاميين وطرف أو أطراف أخرى. ولأني – ولو نظريًا – محسوب على أحد هذه الأطراف (الليبراليين عند محسني الظن، وجمال مبارك / المخابرات العامة / الصهيونية العالمية وأصابعها الخفية عند مسيئيه) فقد عزمت على أن أخط برنامجي لهذه المعركة على مراحل ثلاثة، أولها تبديد الأوهام، ثم الدفاع، وأخيرًا الهجوم.

أولا: تبديد الأوهام الليبرالية السبعة

لا يمكن لأي من كان، أن يخوض معركة وهو غارق إلى أذنيه في أوهام لا أصل لها، حول ما له وما لعدوه من عتاد واستعداد، وحول هوية حلفائه القائمين والمرجوين، بل حول هويته هو نفسه، وهذا – وأدهى – هو حال ”الليبراليين“ المصريين، إن كانت التسمية ممكنة من الأصل. ومن ثم، فلا معركة إلا بعد تبديد الأوهام، وأهمها – في حدود ما سمعت وقرأت – سبعة، تجتمع حينا وتنفرد أحيانًا، لكنها جميعًا على ما يكفي من السفاهة والتضليل، فها هي إليكم مع ما تيسر من تبديد:

1-      المعركة المقبلة بين الإسلاميين والجيش حول استقلال المؤسسة العسكرية دستوريا، علينا أن نصطف خلف الجيش

صحيح أن الإسلاميين سيسعون للسيطرة على المؤسسة العسكرية، لكن فشلهم في تحقيق هذه السيطرة دستوريًا لا يعني أنهم سيعجزون عن إخضاع المؤسسة لرغباتهم (شكل توضيحي (أ): حزب العدالة والتنمية التركي). المؤسسة العسكرية تدين بالولاء للدولة المصرية، وفور اقتناع الإسلاميين بصعوبة التدخل المباشر في شؤون القوات المسلحة، سيتجهون لإحكام السيطرة على الدولة نفسها، بإقامة نموذج فاشستي كوربوراتي يجعل الفصل بينهم وبين مؤسسات الدولة مسألة مستحيلة، وهو ما سيرغم الجيش على الانصياع لتوجيهاتهم (في شأن الميزانية وما عداه) دون مقاومة. (شكل توضيحي (ب): الجيش الألماني في عهد النازي). لذا فمعركة ”وثيقة السلمي“ وما شابهها ليست إلا سرابًا، فالمؤسسة العسكرية ستكتفي بالدفاع عن مصالحها، وهي كفيلة بذلك، لكنها لن تخوض صراعًا حول هوية بقية مؤسسات الدولة بالوكالة عن أي تيار سياسي.

2-      هناك انقسام بين الإخوان والسلفيين، علينا أن نزيده عمقا بالضغط على نقاط الخلاف أو نتحالف مع الإخوان ضد السلفيين

الانقسام بين الإخوان والسلفيين ليس انقسامًا أيديولوجيا أصيلا، وإنما هو نابع من اختلاف المقاربة السياسية بين البراجماتية والمثالية. والبراجماتية، بالتعريف، تؤدي بصاحبها إلى التصرف تبعًا لما تفرضه الظروف الخارجية من ضغوط، وأشد الضغوط وطأة على حركة يمينية كالإخوان، هو الضغط من جهة أشد يمينية كالسلفيين. باختصار، فإن إبراز الفوارق بين الإخوان والسلفيين، سيؤدي إلى اتهام دائم من قبل السلفيين للإخوان بأنهم منافقون، وهو ما سيدفع الإخوان لاتخاذ سياسات أكثر تشددًا للتأكيد على ثباتهم على مبدأهم. الخلاصة ألا مفر من التعامل مع الإسلاميين باعتبارهم وحدة واحدة، طالما ينطلقون من أصل واحد هو شمولية الإسلام وحاكمية النص.

3-      الإسلاميون سيعتدلون بعد ممارستهم للحكم، فعلينا أن نساعد في دمجهم في النظام السياسي بالحوار والتحالف معهم

بالإضافة إلى ما ذكرت في النقطة السابقة، فإن التعامل مع الحركات الشمولية باعتبار أنها حركات سياسية عادية تقبل مفاهيم من نوعية الاعتدال والتشدد ليس إلا ضربًا من السذاجة (شكل توضيحي (ج): كل ساسة أوروبا ممن أفتوا بأن الحزب النازي سيضطر للاعتدال فور وصوله للحكم). الحركات الشمولية تتبع سياسات تحويلية transformative، بمعنى أنها لا تتأقلم مع الواقع وإنما تسعى لتغييره جذريًا. وبالرغم من كون الإسلاميين جزء من الواقع السياسي المصري، لكن التعاطي معهم كضرورة واقعية مرة، يختلف كل الاختلاف عن اعتبارهم شركاء في الوطن وما إلى ذلك من سفاهات النخب المصرية.

4-      الإسلاميون سيفشلون في إدارة البلد اقتصاديا، وسينهارون من تلقاء أنفسهم في الانتخابات المقبلة

بغض النظر عن الكراهية العميقة التي يكنها اليسار المصري ومن لف لفه من أدعياء الليبرالية للسياسات الليبرالية الجديدة في السنين الست الأخيرة من حكم مبارك، لا يمكن لأي عاقل يجيد الحساب أن ينكر أن الأوضاع الاقتصادية في مصر تحسنت بشكل ملحوظ في هذه السنين المعدودة، بالرغم من ذلك، فإن سخط المصريين، وفي جهة الاقتصاد تحديدًا، بلغ أوجه في نفس الفترة. ففي بلد سعر الخبز فيه هو الأدنى عالميا، ويباع فيه الوقود بسعر أدنى من الدول المنتجة للبترول، في ظل دعم حكومي هائل – لهذه السلع وغيرها – يلتهم ما يربو على ربع الإنفاق الحكومي، خرج المتظاهرون يطالبون بـ ”خبز و حرية وعدالة اجتماعية“. القصد أن حال السياسة ليس بالضرورة انعكاسا للاقتصاد، ونجاح الإسلاميين في تدشين مشروعهم السياسي قد يكون كفيلا بإقناع المصريين ولو بالصبر على الأحوال الاقتصادية (شكل توضيحي (د): إيران).

5-      مشكلة الليبراليين أنهم غير منظمين ونخبويون، علينا أن ننظم أنفسنا ونتواجد في الشارع

هذه الحجة يعرفها كل ممارس للسياسة الحزبية المصرية من عهد مينا موحد القطرين، يمكن أن نسميها بحجة ”عبده السباك زبون قهوة حمادة“، ومفادها أن هناك كائن خرافي، اسمه ”عبده السباك“، لا يشاهد التلفاز ولا يستمع للراديو ولا يقرأ الصحف، وبالطبع هو لا يعرف شيئا عن الإنترنت ولا يركب المواصلات العامة، والوسيلة الوحيدة للوصول له هي الجلوس إليه في ”قهوة حمادة“. ”عبده السباك“ هو المصري الحقيقي الذي يمثل الثمانين مليونا ونيف، أو على الأقل الذين يصوتون منهم. والسؤال الأساسي في أي تنظيم سياسي مصري غير إسلامي هو كيفية بناء تشكيلات حزبية متراصة تسمح بوجود داعية سياسي مقيم في ”قهوة حمادة“، وظيفته الأساسية إقناع ”عبده السباك“ بالتصويت لهذا التنظيم في الانتخابات المقبلة، عن طريق تقديم الخدمات الاجتماعية من نوعية علاج خالة ”عبده“ في مستوصف الحزب، أو توظيف ابن أخته في شركة رئيس الحزب. بالطبع، ليس هذا إلا محض هراء، فهو تسطيح بالغ لنجاح الإسلاميين في السيطرة الكاملة على مفردات الخطاب الأخلاقي/السياسي في مصر، عبر التأكيد على أن الصوت الذي يذهب للإسلاميين صوت إما جاهل وإما مرتش أو كليهما معا. ما يتغافل عنه أصحاب هذه الحجة البلهاء، أن قطاعا واسعا من قادة التيار الإسلامي  يحمل الشهادات العليا فيما يستعصي من العلوم والفنون (شكل توضيحي (هـ): أبو اسحق الحويني خريج ألسن أسباني، ومدرسة السلفية السكندرية كلها أطباء)، بل وأن التيار الإسلامي يكاد ينفرد بالسيطرة على النقابات المهنية بين المحامين والأطباء والمهندسين والصحفيين ومن عداهم. الخلاصة أن العبرة بما يقال، وليست بكيف ولا أين يقال، وأن مربط الفرس هو إقناع المصريين بخطاب سياسي متماسك ولو كانت نقطة البدء على صفحات الإنترنت. ولو أن كتّابنا ”الليبراليين“، الإلكترونيين منهم والورقيين، قالوا شيئا ذا قيمة منذ نصف قرن، لكان حالنا غير الحال.

6-      مشكلة الليبراليين أنهم منقسمون، علينا أن نوحد كل ما ليس إسلاميا في صف واحد

الليبرالي لا يعرّف بكونه ”ليس إسلاميا“. ليس ثمة ما يجمع ليبراليا كلاسيكيا، مع فوضوي نقابي، وناصري عروبي، وشيوعي تروتسكي في خندق واحد، لا كراهية الإسلاميين ولا غيرها. فالمحاولات المستمرة لجمع هؤلاء، ويزيد، تحت مظلة ”الليبرالية“ أو ”المدنية“ لا تنم إلا عما أسلفت في النقطة السابقة، أنه ليس لدى أحد من كل هؤلاء ما يقوله للمصريين، غير أن الإسلاميين ”ناس وحشة“. مرة أخرى، القضية المحورية هي صياغة خطاب سياسي متماسك ومفصل، لا يعتمد فقط على برامج اقتصادية تطبيقية، وإنما أيضا على رؤية أيديولوجية تفسيرية للعالم ترتكز على نظرية أخلاقية / سياسية واضحة، وهو ما لن يتأتى في ظل تجمعات ”المعامل المشترك الأدنى“ القائمة على التحالفات الواسعة.

7-      الثورة لم تكتمل، لابد من إكمال الثورة حتى ينصلح الحال

 ليس عندي رد عقلاني على مثل هذا الخرف، فقط أقول مع الشاعر القديم:

لكل داء دواء يستطب به               إلا الحماقة أعيت من يداويها