Skip to content

Posts from the ‘السياسات التدخلية’ Category

6
Nov

السياسات الخاطئة للسيسي

تحليل السياسات الإقتصادية في الخطاب الأخير للرئيس السيسي

في الدقيقة الخامسة والعشرون من الخطاب كرر السيد الرئيس جملة ثلاث مرات قال فيها “هي الفلوس دي هتيجي منين” وقتها كدت أقفز من الإثارة، كالمنتظر لركلة جزاء في الدقائق الأخيرة لمبارة كرة قدم، حبست أنفاسي وقلت بصوت مسموع “قول بقى يا شيخ الفلوس هتيجي منين … والنبي قول .. أبوس إيدك ” ومع صمت الرئيس لثواني وجدتني أقف على أطراف أصابعي منتظرًا الإجابة، وبحسرة مشجع كرة قدم مخضرم يرى الكرة تبعد أميال عن المرمى ويتهلل لها الجماهير الفريق المنافس محاولين إمسكاها، جاءت إجابة الرئيس على سؤالة بسؤال أخر قال فيه “هنحلها ولا إيه؟”.

بدأ السيد الرئيس خطابة الأخير -الذي أثار ضجة وهو يستحق- بسرد عدد من المعلومات عن التحديات الأمنية التي أنجز فيها الكثير -وهذا حقيقي- وبعدها إنتقل إلى الجزء الهام والأكبر من الخطاب والخاص بالسياسات الإقتصادية وهي محور هذا المقال.

بدأ السيسي فترته الرئاسيه بعدد من القرارت الإقتصادية -والتي لا يمكنني إلا أن أصفها بالهامة والشجاعة- يمكن تلخيصها في ثلاثة خطوات؛ أولهم: قرارات إصلاح منظومة الدعم ثانيهم: تخفيض الدين العام والذي كان وصل لـ ٩٠٪ من الناتج المحلي الأجمالي، وثالثهم: المؤتمر الإقتصادي والذي مثل خطوة رئيسية نحو الإهتمام الفعلي بالمشكلة الإقتصادية -وهذا قطعُا بغض النظر عن كل ما دار حولة من أحلام ووعود غير حقيقية من الدولة والإعلام بالتوزاي- وتقديم صورة مغيارة لمستقبل الإستثمار في مصر.

وبغض النظر عن ضبابية رؤية الرئيس – وتعامله مع السياسات العامة بمفهوم السرية – كانت هذه الخطوات كافية بالنسبة لي أن أنظر للرجل بشكل مختلف، فخطوات كهذه أوضحت أنه مسؤول من الناحية الإقتصادية، ولكن هذا لم يمنع أن الصورة والحكم النهائي آنذاك لم يتضحا بعد.

بعد مرور ١٧ شهر – كما أشار لهم الرئيس – بدأ ضباب الشهور الأولى يرتفع ومعه تظهر ملامح الرؤية الإقتصادية -حيث أن الرؤية السياسية ورؤية الحريات كانت واضحة من يومها الأول- شيئًا فشيئ، لذا كان واجب علينا أن نناقش هذه الرؤية حتى وإن لم يرتاح الرئيس للنقد أو لمناقشة أفكارة وسياساته، ورأى أن النقاش حولها هو عراك وهدم للوطن، وهي بالتأكيد ليس كما يعتقد.

تحدث السيد الرئيس عن عدد من السياسات الإقتصادية والتي يمكنني أن أقول وبوضوح أن بها مشكلات رئيسية، في رؤيته لدوره ودور الدولة وشكل الإقتصاد المصري، بدا الرئيس وكأنه يتجه بخطوات ثابته نحو إختيارات أغلبها إن لم جميعها خاطئ، ذكرني هذا الخطاب والسياسات التي طرحت خلاله، بحديث لي مع صديق عن إمكانية وجود تشابه بين السيسي وعبد الناصر -وذلك في بدايات الفترة الرئاسية – فكان رد صديقي “عبد الناصر كان مثال للشخص اللي مقرر يختار كل إختيار خاطئ، ولحد دلوقتي السيسي مش عامل كده على الأقل في الإقتصاد”، ويمكننا فيما يلي تحليل أهم ثلاثة نقاط تحدث عنهم الرئيس في الشأن الإقتصادي وتوضيح لماذا يختار الرئيس السياسات الخاطئة ويصر عليها.

النقطة الأولى: المشروع القومي للطرق – والذي يراه الرئيس مرادف للتنمية – وهو واحد من المشروعات الضخمة التي دخل بها الرئيس فترتة الرئاسيه والتي لم يتحدث عن أي منها خلال ترشحه للرئاسة، وتعامل معها على أنها سرعسكري وهي ليست كذلك، وبغض النظر عن أن المشروع يقوم أغلبه على تطوير وبناء طرق في صحارى لا يطالها ولا يحتاجها المصريون، والبنية التحتية إرتفعت بنسبة ٤٢.٢ ٪ في موازنة العام الماضي عن العام الذي سبقه بإنفاق زيادة ١٨ مليار جنية وبإجمالي يزيد عن ٤٠ مليار جنية، وفي الحقيقة وبهذا الإنفاق الضخم يبقى علينا أن نسأل، كيف كان لنا أن نستفيد بهذه الأموال؟ هل هناك قطاعات او مواطنين يحتاجون لهذه الأموال وهذه الأستثمارات أولى من طرق الصحراء؟ خاصة وأن الرئيس ينوي إستكمال المشروع القومي للطرق وإنفاق ٥٠ مليار جنية أخرى.

النقطة الثانية: ضبط الأسعار، مع معدل للربع الأول وصل النمو لـ ٤٪ ومعدل تضخم ٩٪ إرتفعت الأسعار بشكل واضح، مع بطئ شديد في حركة البيع والشراء وهو ما يمكن أن يضع مصر وللمرة الأولى أمام فترة من الكساد التضخمي، وبغض النظر عن أننا كمصريين لم نمر بإقتصاد إنكماشي حتى طوال سنوات الإضطراب الماضية. جاء خطاب الرئيس معلنًا أن الجيش والدولة سيقوموا بتخفيض الأسعار من خلال توفير سلع بسعر منخفض. ولكن ما الضرر في ذلك؟ وفي هذا يمكننا ذكر ثلاثة أضرار وهم:

١) زيادة في الإنفاق العام وفي المقابل زيادة للضرائب، وبشكل مبسط الدولة ستقوم بزيادة إنفاقها من خلال دعم أو فتح أسواق جديدة، وهو ما يعني  تعيين عاملين جدد للعمل في هذه الأسواق وكافة تكاليف المحالات مما يعني زيادة مصروفات حكومية وبالتالي زيادة للضريبة وبالتالي زيادة للأسعار التي يهدف الرئيس إلى تقليلها. ٢) الإضرار بالسوق ومزيد من البطالة وإرتفاع الأسعار، السوق هو كل واحد منا هو صاحب السيارة التي تنقل البضاعة والسائق الذي يعمل عليها، هو صاحب محل الخضار، هي صاحبة فرشة الطعام بالشارع، وصاحب كل شركة مهما كانت صغيرة أو كبيرة، كل هولاء هم السوق وغيرهم، وحين تقوم الحكومة والجيش بمنافستهم فهذا يعني ضرر لهم ومزيد من البطالة لجميع من ذكروا وغيرهم  ممن يشترون او يبيعون لهم السلع، ولكن قد يقول أحدهم وما المشكلة أنهم جشعون ويستحقون أن يعانوا من البطالة، ولكن في الحقيقة قد يكونوا جشعين وقد لا يكونوا، إن الدولة لن تبيع بأسعار السوق وإنما ستقوم بدفع فارق السعر من الضرائب وستعمل على خسارة كافة القطاعات الأخرى، نظرًا لوجود دعم مالي لا متناهي لها وليس موجود للأخرين، فقط لتبقى الدعم الشعبي للرئيس وليس لضمان تحسين الحالة الإقتصادية للمصريين. ٣) خدمة ومنتجات سيئة، قد لا يعلم الكثيرون منكم أن مصر كانت منذ ثلاثون عامًا تقريبًا كما يريدها الرئيس الأن، لا يوجد فيها غير الجمعيات الإستهلاكية، هي المصدر الوحيد للسلع –ويمنكم التمتع بهذا الفيلم الذي ينقل الحالة المصرية آنذاك –  بعدما أغلق الجميع نتيجة المنافسة الغير عادلة والتي أنهت حياة كل السوق المصري بأموالهم لصالح الدولة، كان الوضع كالتالي خدمة في منتهى السوء لا يمكنك الإعتراض عليها، الدولة تتحكم ماذا تأكل وماذا تشرب، وبعد سنوات قصيرة تفرغ المجمعات الإستهلاكية ولا يجد المواطنون من يغيثهم. وقتها لن يظهر إلا القطاع الخاص الذي يود الرئيس أن يقتله وهم بائع الخضار وصاحب المحل والسائق وصاحب السيارة.

النقطة الثالثة: مدينة دمياط لأثاث، في نهاية الخطاب ذكر الرئيس أن خلال ١٥ عام مضت لم يتحقق من مشروع الـ ١٠٠٠ مصنع إلا ٤٠٠ فقط، وبالرغم من إداركة لذلك إلا أنه يقوم بنفس الخطوات، الـ ٤٠٠٠ بئر، المليون فدان، المشروع القومي للطرق، المشروع القومي للصوامع، حفر أنفاق تحت قناة السويس في وضع إقتصادي شديد الصعوبة يتطلب ترشيد الإنفاق.

المستمع الطبيعي حين يسمع أن الدولة ستقوم بتجهيز المكان وشراء المعدات وغيرها، يقول “وإيه المشكلة يعني .. هو حد يكره حاجة تيجي من الحكومة وببلاش”  ولكن الحقيقة أن الحكومة لا تقدم أي شيئ مجانًا وأن هذه السياسات تعني أن هناك تكلفة على الدولة تقوم بسحبها من الضرائب – وهو ما يؤدي لإرتفاع الأسعار – لتمويل مشروعات لم يطلبها أي شخص، دمياط تعمل كما هي، كل ما تحتاجة من الدولة هو تنظيم لتملك الأراضي التي يعملون عليها، وتسهيلات لإستيراد المعدات وتسهيلات للتسجيل وإبعاد البيرقراطية والحكومة بخيرها وشرها عنهم وهم سيكسبون رزقهم وسيحسنون منتاجتهم كما فعلوا لمئات السنين بدون الدولة.

في النهاية سأذكر واقعة أخيرة من خطاب الرئيس حين تحدث عن الأسكندرية وذكر أنه كان يتابع مع ضابط الجيش مسألة مياة الأمطار، زادني كلامه حزنًا، إن السياسية الحالية في إقحام الجيش في كل مناحي الحياة المدنية له عيوب عديدة أهمها ١) إنهاء الحياة المدنية والإقتصاد الذي نحيا عليه جميعًا وعدم معالجة جهاز حكومي يلتهم ما يقارب من ثلث الموازنة العامة. ٢) تشتيت الجيش عن مهتمة الرئيسية فلا يمكننا الحديث عن جندي مدرب وضابط مهني محترف يقف في سوبر ماركت أو في محطة بنزين أو مزرعة لتربية الدواجن.

إن الإصرار على دخول الجيش في الإقتصاد هو مدمر للإقتصاد ذاته من ناحية، ومدمر للجيش من ناحية أخرى. يجب أن يبقى الجيش لدوره الهام في الحفاظ على الأمن والدفاع عن البلاد، وهو ما لا يمكن تحققه في حالة إنشغاله بسوبر ماركت أو محطات بنزين أو حتى بناء طرق.

7
Jul

نحن هنا لحمايتك وتربيتك


فى التأمين الصحى الاجبارى

يبدو -ولو ظاهريًا- الحديث العاطفى -والذى لا أقلل من شأنه- هو محور الأفكار اليسارية -إن جاز التعبير- أو بشكل أدق محور الأفكار التى تنتقد الرأسمالية.

ويجتمع أهل اليسار على حد أدنى يجب على الدولة ألا تقل عنه، يتمثل فى تقديم خدمات التعليم والصحة لكافة المواطنين عند كافة الأعمار، مستدلين فى ذلك على أمثلة عدة، وحديث أغلبه إن لم يكن كله هجوم على من يرفضون هذه السياسية متهمين إياهم أن قلوبهم قد إنتزعت منها الرحمة وأنهم لا يبالوا بمن يموتون كل يوم بسبب عدم الحصول على العلاج، واضعين إياهم -وأنا أحدهم- أننا لا نستحق العيش  بكل القسوة التى تحملها قلوبنا. فكيف يمكن لإنسان أن يرى أخر يعاني بسبب مرضه ويقف ساكنًا ويقول وكله فخر وصدره ممتلئ عن أخره أنه لا يجب على الدولة تقديم تأمين صحى لكافة مواطنيها.

ناهيك عن أنه يمكن بالأرقام، والنظرية، والمنطق، والتاريخ، والواقع القول أن أفضل طريق لتقديم أى من الخدمات للمواطنين هو السوق الحر وليس الدولة، وأن كل من يعارضون هذه الأفكار ليس كما يتم وصفهم بأنهم معدومى الرحمة، وإنما لأنهم -وأنا أحدهم- يرون فى هذه السياسات باب لتدخل الدولة فى حياة المواطنين وتحديد ما يجب ولا يجب عليهم فعله، بالإضافة إلى أن تقديم الدولة لهذه الخدمة لا يعدو كونه رشوة سياسية يقدمها السياسيون للبقاء فى السلطة ولتحقيق مكاسب أكبر. ولكنى بالرغم من ذلك لن أخوض فى التفاصيل الإقتصادية على الأقل فى هذا المقال علنا نرجع إليه فى مقال لاحق.

اليوم كنت مجتمعًا بأحد الشباب القادمين من إحدى المنظمات الاوربية التابعة لدولة تقدم تأمين صحى لكافة مواطنيها، يقومون بتدريبات فى مصر حول حقوق الانسان وما شابه، وحين سألته هل تقومون بهذا النوع من التدريبات فى بلدكم أم أنكم تناقشون المشاكل التى تواجه الشباب أو المجتمع على السواء كالضرائب وما دون ذلك.

كان رده “إحنا عندنا حقوق إنسان …”

تطرق بنا النقاش حول الضرائب التى يدفعها المواطنون فى بلده، وما يتلقوه فى المقابل، وذكر أن كل الامور الأساسية من تعليم وصحة وما دون ذلك تتوافر لجميع المواطنين وبكفائه عالية.

وبعدها تحدثنا عن الضرائب التى تفرضها الدولة هنا -فى مصر- على المدخنين، فذكر لى أن علبة السجائر فى بلدهم تكلف ما يقارب أربعون جنيها مصريًا، حيث أن الدولة تفرض عليه ضرائب عقابية. وهو نوع من الضرائب قائم على فلسفة أن الدولة تعلم مصحلة مواطنيها، وعليها أن تمنعهم بكافة الطرق من إستخدام كل ما تراه سيئ بالنسبة إليهم.

وحين سألته، المواطن هناك يدفع ضرائب عالية بالفعل، فلماذا تتدخل الدولة وتفرض عليه ضرائب أكبر مرة أخرى على التدخين.

فكان رده: “إن من يدخن يكلف الدولة أكثر فى الرعاية الصحية، فالفرد الغير مدخن نسبة مرضه أقل وبالتالى فهو يكلف أقل فى الرعاية الصحية، ولكى يكون هناك عدالة فى الحصول على الرعاية الطبية يجب على الدولة أن تضع عراقيل أمام المدخنين وتفرض عليهم ضرائب عالية حتى لا يكلفونها ويكلفوا دافع الضرائب الكثير من الاموال”

وهاهنا بيت القصيد، فالسياسية التى بدا أنها لا هدف منها غير الرحمة، تحولت إلى حساب المكسب والخسارة، وأصبحت الدولة وكأنها شركة تأمين كبرى، قررت أن هناك من يكلفون أكثر ولكنهم فى ذات الوقت لا يستطيعوا منعهم من الحصول على الخدمة، فكانت يدهم الطولى فى الوصول إلى التشريع ووضع قيود عقابية عليهم لانهم فقط إختاروا أن يكونوا مدخنين.

فالمواطنين المدخنون فى هذه الدولة – ودولتنا بالطبع – يدفعون مرتين، مرة كدونهم من المواطنين ومرة لأن الدولة ترى أن عليهم أن يتوقفوا عن ما يفعلونه ولهذا تفرض عليهم ما يسمى بالضرائب العقابية، والسياسية التى بدت فى أولها رحمة دفعت الدولة بعدها للتدخل فى شأن شخصى وعقاب المواطنون على إختيارتهم، وإنتقل مفهوم العدالة والمساواة الذى بدا واضحًا فى حصول كافة المواطنين على تأمين صحى يتحول إلى أن من يستخدم أكثر عليه أن يدفع أكثر وهو مفهوم ربحي بالأساس لا علاقة له من قريب أو بعيد بالرحمة.

على الجانب الأخر توفر الرأسمالية – بكل الشرور التى تتهم بها- أكبر مساحة حرية ممكنة للفرد فالدولة لا شأن لها بإختيارته الشخصية، وكل ما عليه أن يدفع كدونه من المواطنين نسبة من دخله كضرائب لتقوم الدولة بدورها فى حمياته لا تربيته.

27
Jan

فى فهم سياسات الدعم

قضية دعم الطاقة

كانت الساعة تقترب من السادسة والنصف صباحًا، كنت نائمًا كالعادة، وجاء صوت صراخ قاطعًا هدوء الصباح، فما كان منى إلا أن هرعت نحو الشرفة بدقات قلب سريعة وعينين مفتوحتين، محاولا التعرف عما يدور بالشارع، رأيت رجلين ممسكًا كل منهم بالاخر وفى حالة عراك، أحدهم كان يغطى وجهه الدماء، صراخ النساء وسباب الرجال كان يتعالى، تأسفت لحالهم ولم أستطع أن أفعل المزيد. دخلت مرة أخرى لغرفتى محاولا الامساك بطرف النوم ولكنه كعادة هذه الايام يهرب دون عوده.

بعدها بساعات سألت أختى لماذا كان هذا العراك، كان ردها لى “ده كان علشان طابور العيش”. تختلف المواقف كلية حين تقرأ عنها فى الصحف وحين تحياها، فحين تحياها تتعدى كونها مجرد كلمات وسطور فى جريدة وإنما تبقى عالقة فى الذاكرة بصورتها كما هى لا تتحرك.(كان هذا الموقف فى صيف عام 2009) عاد هذا المشهد إلى ذهنى مع الاخبار العديدة التى يتم نقلها حول معارك تتم للحصول على أنبايب البوتاجاز أو صور للسيارات المتوقفة بالساعات أمام محطات الوقود.

يبدو منطقيًا لمن هم فى مثل حالتى الانضمام المباشر لصفوف المطالبين بسياسات زيادة الدعم ولوم الدولة على عدم توفيرها لخبز كاف، وأن دماء الرجل التى أسيلت أو ربما حياته التى كانت قرب قوسين أو أدنى من الانتهاء تمت بسبب تقاعس الدولة عن عدم توفير ما يلزم من حياة كريمة للمواطنين، وأن أرى فى أطروحات الاقتصاد الموجه الذى تقدمها النخب المصرية – على إختلافها – مخرج للحفاظ على حياة القطاعات الافقر فى المجتمع.

بينما يبدو إختيار الايمان بأفكار الرأسمالية بعيد تماما عما عايشته، خاصة فى ظل خطاب عام يرحب بتدخل الدولة فى كافة نواحى الحياة، وتجذر السخط على أفكار السوق الحر فى ظل غموض يكتنفها وسوء تفسير يُقدم لها، والذى يتمثل أفضلها فى “التيار الليبرالي المصرى” الذى يرى أن الرأسمالية نوعين، أحدهما حميد وهى الرأسمالية الوطنية والاخر خبيث وهى الرأسمالية الغربية.

ولما كان ذلك غريب للمقربين منى، فكانت الازمة الحالية للطاقة فرصة طيبة للحديث حول كيف أننى أجد فى الرأسمالية حل منطقى لمشاكل الفقر وخروج من سيطرة السياسين على حياة الافراد وإعطاء الافراد أكبر مساحة من الحرية الفردية.

لنقل أن الرجلين المتعاركين هما ” أحمد السباك” والاخر “محمود الجناينى”. أحمد يتقاضى أجره باليومية ولا ينتظم فيه نتيجه طبيعته وإيضا لحالة المعمار التى تتحرك ببطئ مما أثر على دخله بشكل سلبى، أما محمود فبحكم عمله لا يوجد لديه يومية وإنما حسب العمل المطلوب منه ومؤخرًا تقلص حجم المتعاملين معه بعد إقتناع عدد منهم أن الاستهلاك شيئ معيب ويجب التخلص منه، وأن على الناس الاستهلاك فى أضيق الحدود وفى الامور الرئيسية للحياة وبالطبع لم يكن التشجير شيئ منها. دفعتهم حالة كل منهم إلى هذا العراك.

المطالبين بزيادة الدعم، يتلخص موقفهم فى أن على الدولة توفير دعم أكبر لما تحتاجه هذه الطبقة، وفى هذا الطريق على الدولة أن تحصل مبالغ أكبر من الاغنياء لصالح هذه القضايا. يبدو ذلك غاية فى العدل، ولا ضرر منه على الاطلاق، ولكن فى الواقع هناك من المشاكل التى تسببها سياسات الدعم ما ينتهى بها إلى أضرار للفئات المستفيدة ودونها من فئات أخرى.

فى حالة الدعم، ولان الدولة لا يمكنها أن توفر النقود المطلوبة للدعم إلا من خلال المواطنين، فذلك يعنى بالضرورة أن عليها فرض ضرائب اعلى، مما يعنى أمر من إثنين إما زيادة فى نسبة البطالة أو زيادة فى الاسعار وفى الحالتين سيكون أكبر المتضررين هم القطاعات الافقر، ولكن الحديث عن نسب الضرائب العليا حديث غير.

رجوعًا إلى توضيح الضرر من سياسات الدعم، حين تقوم الدولة بدعم منتج ما، فهذا يعنى التدخل فى أليه تسعيره، مما يعنى ذلك ثلاثة أمور:

أولا: زيادة فى نسبة إستهلاك الموراد الطبيعية، ففى حالة أحمد ومحمود السابق ذكرهما، فإذا كان سعر الخبز هو جنيه واحد طبقًا لسعر السوق، وقامت الدولة بدعمه ليبقى خمسون قرشًا، سيزيد ذلك من نسبة إستهلاكه من قطاعات أكبر لرخص ثمنه، أو لاستخدامه كعلف للحيوانات، أو لبيع الدقيق فى السوق السوداء لان أصحاب المخابز سيحصلون على فائدة أكبر أو إذا كان المخبز حكومى سيستفيد القائم على إدراته بدخل مادى أكبر، وهذا كله سيعنى بالضرورة إلى إستهلاك وإهدار الموارد الطبيعية. وعدم توافر الخبز إلى الفئات المستهدفة.

ثانيا: التأثير على الصناعات المرتبطة، فى حالة ذهاب عدد من صغار التجار إلى إستبدال علف الحيوانات بالخبز، نتيجة رخص ثمنه عن العلف، سيؤدى هذا بتجار العلف إلى رفع الاسعار لتعويض الخسائر من الاستهلاك القليل، مما سيجعل تكلفة تربية الدواجن على التجار الكبار أعلى وسيعنى ذلك إرتفاع أسعار الدواجن على الموطنين مما سيؤدى بالضرورة لإرتفاع سعرها على الفئات التى إستهدفها الدعم فى بادئ الامر.

ثالثا: زيادة فى حجم الدولة، فى حالة ذهاب أصحاب المخابز والعاملين فى الدولة إلى بيع الدقيق فى السوق السوداء، ستضطر الدولة إلى التعامل مع هذه المشكلة، عن طريق محاولة وضع مراقبين أكثر على عملية توزيع وإنتاج الخبز، مما سيؤدى إلى إرتفاع مصاريف الدولة وسيؤدى هذا بالطبيعة إلى فرض مزيد من الضرائب وسيعود هذا بنا إلى زيادة فى الاسعار أو زيادة فى البطالة.

على الجانب الاخر تقدم سياسات الرأسمالية والليبرالية الكلاسيكية على السواء فى هذا الشأن، أمرين:

أولا: ضمان المنافسة بين أصحاب المخابز ومنتجى الخبز مما سيعنى بالضرورة، زيادة نسبة طلب العمل على “أحمد” و “محمود” لعملهم فى بناء المخابز أو منازل أصحابها او العاملين بها أو دون ذلك من الاعمال مما سيرفع من دخلهم وسيؤدى ذلك إلى ضمان حصولهم على نسب الخبز التى يحتاجونها، وسيؤدى هذا بمنتجى الخبز إلى تقديم أنواع مختلفة من الخبز بأسعار تناسب جميع الفئات الغنى والفقير على السواء وسيرفع ذلك نسبة الضرائب نتيجة زيادة نسبة الاعمال وتقليل نسب البطالة نتيجة زيادة نسبة المخابز التى ستتنافس لتوفير خدمة الخبز للمواطنين. ويكون دور الدولة الوحيد هو ضمان عدم وجود أى ممارسات إحتكارية.

ثانيا: العمل الفردى والطوعى لمساعدة الفئات الغير قادرة، بمعنى أوضح، تنطلق الليبرالية الكلاسيكية من أن على الافراد تحمل المسؤولية طوعًا لا قسرًا، وأن كل محاولات دفع الافراد إلى تحمل المسؤولية بشكل قسرى يؤدى إلى نتيجة عكسية، وفى هذا الشأن يبقى على الافراد المهتمين إقناع أكبر قدر من المواطنين بالمساهمة فى رفع معناة الاخرين سواء فى الخبز أو غيره من المشكلات، ومع إرتفاع دخل الافراد نتيجة زيادة أعمالهم والتوسع فيها سينعكس ذلك على نسبة المتبرعين وزيادة نسبهم.

إن الحالة الاولى نتائجها واضحة، سواء فى الواقع أو التاريخ أو النظرية ذاتها، والحالة الثانية بالمثل.

ختامًا سيبقى هناك فقراء وسيعانى الكثير من البشر مادامت البشرية على سطح البسيطة، يبقى همنا الاكبر هو تقليل مساحة المعاناة، لانها لن تلغى.