Skip to content

Posts from the ‘تعقيبات’ Category

13
Nov

هل تغيرت الدولة المصرية … وهل أضحى للمنظمات القوة التي تمنينها؟

قراءة في الإفراج عن حسام بهجت

من هو حسام بهجت وماذا حدث له؟

قامت الدولة المصرية بإلقاء القبض على الصحفي والناشط الحقوقي حسام بهجت، وهو واحد بالرغم من صغر سنة إلا أنه أسس واحدة من أهم المنظمات في مصر خلال عشرة سنوات. تم التحقيق مع بهجت في مبني المخابرات العسكرية وذلك بعد نشره تحقيق – على الموقع الإخباري مدى مصر– مع أهالي ضباط تم القبض عليهم وسجنهم بتهم محاولة قلب نظام الحكم.

تم التحقيق مع بهجت وبعد أن قررت النيابة حبسة لأربعة أيام على ذمة التحقيق، تم إخلاء سبيله في اليوم التالي على قرار النيابة من قبل المخابرات الحربية، قام حسام -بعد خروجه بساعات قليلة- بكتابة بيان قصير وصف الواقعة من منطلق سرد للخطوات والخطوط العريضة لمشاركتها مع الجميع.

لماذا حسام مختلف عن غيره؟

لم يجمعني العمل وحسام إلا مرة واحدة على ما أذكر، إلا أنني – رأيت فيه دومًا مثل لا يمكنك إلا أن تحترمه – وفي هذا يمكنك أن تعدد الكثير من القرارات التي تجعلك تحترمه حتى وإن أختلفت معه.

على المستوي الشخصي شعرت براحة بالغة بعد إخلاء سبيله، وأن هم عظيم وإحساس بالظلم والعجز قد قل لحظة قراءة بيانه بعد خروجه، فحسام وغيره الكثيرون -والذي لا يمكنني حصر أسمائهم- ممن لا يتاجرون بالقضايا التي يدافع عنها بحثًا عن أضواء فارغة المعنى، فهو من القلائل الذين عرفتهم بشكل سريع وكان حقًا مختلف. فهو لم يخرج علينا في يوم وقرر أن يتحدث عن عظمته، أو ككثير ممن يمكن أن تقابلهم وترى فيهم غرور أجوف، أو حتى جعله النجاح والشهرة يخرج علينا -كما فعل كثير من مجنوني الشهرة الذي جلعهم السجن أبطال- ويتحدث عن دوره التاريخي لتغيير مصر. وبرغم معرفتي البسيطة به يمكنني أن أقول إنه حقًا إنسان صادق وليس مدعي ككثير من يلتسقون بالعمل العام.

خمسة أسئلة رئيسية بعد خروج حسام

خلال حديث لي مع أحد الأصدقاء عن إخلاء سبيل حسام، تذكرت النشوة التي إجتاحت عقول وقلوب كثير من الخلق ببلادي وقت الثورة المصرية، تذكرت تلك الجملة التي لازلت أكرهها “الناس خلاص عرفت طريق الميدان” هذه الجملة التي كلما ترددت ببالي أو أمامي أود لو أتمكن من الجمع بين كوني  “الرجل الأخضر” وأن أحمل صوت كصوت تلك المرأة في واحد من الأفلام الصينية، وأصرخ في الجميع بصوت يخترق نشوتهم المراهقة بقول ” إنتوا إزاي مش شايفين … عينيكوا وعقلكم اتسمحوا … ولا أنتوا أصلا عميان” وبغض النظر عن تأثيرها آنذاك الحامل للغضب الناتج من سطحية الجملة وشك إعتاد أن يجعلني كمفقود دون أمل. فالواقع المرئي يقول أنهم على حق، وأن الناس أدركت السبيل لحريتها، وعقلي يقف حائل كحيوان يكشر عن أنيابه يمنعك من العبور ويبقيك وحيدًا. لا أنت إستطعت أن تشعر بنشوتهم ولا أنت مرتاح بوحدتك مع أفكارك.

الكلمات القليلة التي تبادلتها وصديقي، الذي كان فخور بخروج حسام ويرى فيه أن الحكومة قد بدأت في تعلم الدرس، أعاد إلى ذاكرتي خوف من مستقبل لا أتمناه لحسام ولا لغيره. ودعاني أن أطرح علينا جميعًا عدد من الأسئلة التي يمكنها الأ تجعلنا ننزلق وراء فرحة مستحقه. وتضمن أن نبقي أعيينا على حكومة ودولة ترى صورتها المثلى كواحد من فتوات روايات نجيب محفوظ. والإجابة على هذه الإسئلة يمكنها أن تضمن لنا التصرف السليم وعدم نسيان ما حدث.

لا تتعدى الأسئلة أصابع اليد الواحدة الأول: هل تغيرت رؤية الدولة لنفسها بأن إحترام الناس لها والحفاظ على النظام يأتي من الفدرة على البطش .. وهل تغير مفهوم الرئيس السيسي عن حرية الرأي؟ الثاني: هل أصبح هناك معامل جديد في العلاقة بين المنظمات والصحافة الحرة من جانب والدولة من جانب أخر؟ الثالث: هل تغير موقف الغرب من دعم السيسي، وأضحى هناك خطوط واضحة لا يمكنهم دعمهم معها؟ الرابع: هل الدولة المصرية تتنتقم من المعارضين والنشطاء، وهل يمكنها أن تتحول في طريقة الإنتقام منهم وتأخذ طرق أخرى كالتصفية خارج الإطار القانوني والقضائي؟ الخامس: ما الذي يمكن أن نتعلمه من حالة حسام وهل هي قابلة للتكرار؟

الحلول الممكنة والخطوات الواجبة

قطعًا ليست الحلول المكتوبة أدناه هي الخطوات الوحيدة الممكنة، ولكنها الخطوات التي أتخيل إمكانيتها، وهي للنقاش وليست الحلول الوحيدة أو حتى الصحيحة، وقبل أن أذكر الحلول أود أن أؤكد على أمرين وهما ١) علينا ألا نغفل أن حسام أخلى سبيله وأن القضية والتهم كما هي ولم تسقط. ٢) أن هناك خطوات سريعة يمكننا القيام بها تضمن ألا يسوء الوضع أكثر مما هو وخطوات على المدى الطويل يجب أن نبدأ بالنظر إليها.

ويمكنني أن أذكر خمسة حلول ممكنة وهي:

الأول: التحالف بين المنظمات العاملة على الحرية الفردية للضغط من أجل تعديل القانون وتنحية الخلافات الفكرية. إن بقائنا جميعًا الأن أصبح في خطر أكثر من أي وقت مضى، وعلينا أن نعلم أنه لا سبيل إلا بالتعاون سويًا لضمان بقاء كل منا ليحقق بعدها السياسات التي يأمل أن تقوم الدولة بتبنيها، وإلغاء المواد التي يحاكم على إثرها حسام، إتخاذ حالة حسام كمثال لضرورة تغيير القانون وهنا يمكن للمنظمات العاملة على الحريات الفردية ببدأ حملة تقوم فيها بإستخدام حالة حسام لضرورة تعديل المواد القانونية. وان تدرك المنظمات المصرية التي تدافع عن الحريات الحريات الشخصية أنه لا سبيل لبقائها دونما التكاتف والتحالف.

الثاني: البدأ في تكوين علاقات قوية مع الجماعات المصرية التي يمكنها أن تؤثر على السلطة وتغير موقفها دائم العداء للحريات الفردية، فعلينا أن ندرك أننا كمدافعين عن الحريات الشخصية ليس لدينا حلفاء حقيقين داخل المجتمع، فلا الأحزاب السياسية ولا الصحافة ولا رجال الأعمال ولا الأكاديمين لدينا فيهم مجموعة يمكنها أن تمثل كتلة حرجة لا تستطيع الدولة التغاضي عنها، وقت إتخاذها قرارات تعصف بالحريات.

الثالث: التعاون مع الصحفيين والكتاب وإصدار تقارير للرصد والمدافعة لحالات إنتهاك حرية الرأي، تحديد الصحفيين والكتاب الذي يمكنهم دعم ضرورة تعديل القانون وإمدادهم بالمعلومات الضرورية الواجبة والحجج حول لماذا يجب أن يتم تعديل القانون، كما أن تقوم المنظمات بالعمل سويًا لضمان تكاتف الجهود والإستفادة بالقدرات المتاحة. إصدار تقارير دائمة ترصد وتبقي الواقع وتؤرخه.

الرابع: عدم المبالغة في تقدير قوة المنظمات الداخلية أو الخارجية، وإدراك مواقف وقوة الدولة وعدم إتخاذ الخطوة الحالية على أنها القاعدة وما دونها إستثنا، فبدون إدراك حجمنا الحقيقي لن نستطيع تحقيق أي خطوات تضمن لنا على الأقل السلامة الجسدية.

الخامس: السلامة الشخصية لحسام كونه أضحى خصم للدولة الأن ومثال لها على فقدها اليد الأعلى، الدولة المصرية طوال تاريخها المعاصر تقوم بالإنتقام من خصومها أو من المعارضين بالشكل القانوني في أغلب الأوقات، كانت خطوات الدولة هي خلق قانون معيب يرسخ للقمع بشكل قانوني، وتأتي بعدها السيطرة أو حتى تطوع بعض القضاة في إستخدام هذه المواد القانونية في التنكيل بالمواطنين، لم يكن خلال التاريخ الطويل فكرة الإنتقام خارج القانون أو تصفية المعارضين أو أصحاب الرأي، وكانت الدولة دومًا ما تتعامل مع أي ضغط عليها في هذا الشأن على أنه نظام قضائي ولا يمكنها التدخل في أحكامه، ولكن مع الحالة الحالية وضح أن هناك خطوة مختلفة وجديدة، وهو ما يضعنا أمام أمرين أولهما: أن الدولة تعرضت لضغط كبير سواء داخليًا من أجهزة على أخرى أو خارجيًا جعلها تأخذ خطوة للخلف. ثانيهما: أن الدولة يمكنها أن تتخذ الطريق الذي لم تتخذه بشكل واضح ورئيسي في سياستها مع المعارضين وهو التصفية خارج القانون. وهنا ما ينبغي علينا القيام به ولا أعلم كيف هو التأكد من السلامة الشخصية لحسام، حيث من الممكن أن تتعامل معه الدولة على أنه مثل لخصم يجب قهره.

لا يبقى في النهاية إلا أن أؤكد أننا كمنظمات لنا قوة، نعم ليس بالقدر الذي يتمناه أي منا، خاصة ممن يرون حياتهم تمر دونما شعور بإنجاز حياتي ولا يرون في الخروج من البلاد أو من العمل العام سبيل للراحة. لا يبقى أمامنا غير المحاولة الصادقة فهي سبلينا الوحيد للوصول إلى ما نرغب وإن لم نصل يكفينا أننا كنا مسؤولين تجاه أنفسنا وتجاه ما رأيناه خاطئ وحاولنا أن إصلاحه، حتى وإن نظر لنا الجميع على أننا مجموعة من السزج.

19
May

سأجعله سعيدًا

عن أهمية التضامن الإنساني مع محمد أبو تريكة

في أوائل التسعينات، داخل شقة صغيرة في قرية معظم قاطنيها من الفلاحين – تراهم يمرون في أول النهار وأخره يتقدمون بهائمهم- وعدد ضئيل من العمال والموظفين العمومين وعلائتهم.

كنت أنا وأخي ووالدي، برقاب معلقة لأعلى وأعين لا تبتعد عن شاشة التليفزيون جالسون على الأرض وسط الكثير من عيدان القصب ، أخى ووالدي لم تبعتد أعينهم عن الشاشة – فقد كانت مباراة لكرة القدم بين المنتخب المصري ومنتخب أخر- أما أنا فكنت أكثر تركيزًا مع القصب ومع أصواتهم التي ترتفع بين الحين والأخر. لم أفهم ما الشيق في هذه اللعبة، فقد كانت غامضة وأحيانًا سيئة.

بعد عشرة سنوات على هذا الموقف وخلال الدراسة بالجامعة، وجدتني أتابع الدوري المصري- وللحق فقد غمرتني كرة القدم- ومن يومها وأنا أجد مشاهدة مباراة واحدة من مسببات الدهشة والسعادة. وقتها كان محمد أبو تريكة قد بدأ نجمة، وخلال متابعتي للدوري المصري كان محمد أبو تريكة “الإرهابي” واحد من أكثر لاعبي مصر إمتاعًا.

الأسبوع الماضي أعلنت السلطات المصرية أو القضاء – على قدر تفضيلك وتحليلك- تجميد أموال محمد أبو تريكة، لأنة وببساطة يدعم الإرهاب، وبالرغم من الأسئلة الكثيرة حول جدية وكفاءة التحليل والمعلومات المؤدية للقرار، وإن كان له بعد سياسي من عدمه، وإن كان عقابًا للرجل على مساندته لمحمد مرسي، أو إن كان بداية لحقبة جديدة، وإن كان مجاملة من القضاة أنفسهم فيكونوا كالدبة التي قتلت صاحبها.

كل هذا في الحقيقة لا يعنيني، فهذا المقال لن يناقش مدى نزاهه القضاء المصري، أو مدى كفاءة أجهزة الشرطة في رصد المجموعات الإرهابية دونما الضرر بحريات المواطنين وممتلكاتهم، أو حتى تحليل أن مساندة والدفاع عن أبو تريكة هي دفاع عن الإرهاب ومهاجمة للنظام والمصالح المصرية.

هذا المقال هو أقرب للدعم الإنساني – والذي نفتقد لوجوده فى مجتمعنا – حينما جائتنى فكرة كتابته، كنت وكما العادة مع الصديق الأوفى بلاتو نعبر شوارع وسط القاهرة الفارغة من المارة والمحلات والخلق الباحثين عن الرزق.

كنت في غاية الضيق على حال الذين يسعدوننا ونذبحهم بدم بارد على المستويين الخاص والعام. تذكرت حال الرئيس/ محمد نجيب وحجزه ببيته ما يزيد عن عشرون عامًا دونما حتى أن يتمكن من حضور جنازة ولدة. تذكرت حال الفريق/ سعد الدين الشاذلي ومعاقبته على رؤيته وأرائة، تذكرت مصطفى النحاس، وأحمد سيف الإسلام عبد الفتاح وعدم  تقدير كل ما قام به من أجل بلادنا، والممثلين محمد فوزي وإسماعيل يس، وغيرهم مئات الحالات –والتي حتى لا أتفق معهم فكريًا ولكني لا أرى سبيل لحياتنا في إتعاسهم- التي إنتهت حياتها ببؤس بعدما أضافوا شيئ سعيد في حياتنا، وإنتهت حياتهم في فقر مدقع نتيجه لقرارت غبية كتلك التي تقوم بها الحكومة المصرية الأن، تذكرت كيف مرت حياة هولاء الأفراد دونما أن يساندهم أحد، إما عن نسيان وإما عن إنشغال.

كانت الفكرة في البداية أن أكتب عن حملة يقوم بها كل فرد يؤمن بسماحة ونقاء هذا الرجل، أن يدفع عشرة جنيهات –كرمز ومساندة مالية- وتجميع هذه الأموال لصالح أبو تريكة – فالدولة أخذت أمواله ومن يعلم إن كانت ستعود أم لا ومتى – ولكني عدلت عن الفكرة لكثرة التعقيدات الموجودة بها – وإمكانية تحميل منفذيها لمشكلات أمنية وزيادة المشكلة لا حلها- وبعدما قرأت حوار محمد أبو تريكة ذاته في جريدة الأهرام والتي جعلتني أشعر أن هناك أمل للرجل في إسترداد أمواله، وأن محاولتنا في مساندته ماليًا قد تعود عليه بضرر أكثر من نفع.

بعدها تحولت الفكرة في رأسي وإستلهمتها من كثير من الأفلام الأمريكية التي يقوم خلالها المجتمع بالقيام بمساندة إنسانية لشخص يؤمنون به – مساندة في هدوء وبعيد عن الإدعاء- وهي بإختصار أن يقوم الأفراد بإرسال خطابات تحمل ما تحمل من صور، خطابات مكتوبة، هدايا من أي نوع، يعبرون من خلالها عن تضامنهم مع هذا الشخص وعن حبهم له.

وهو ما أدعوكم إليه، أن تقوم/ي خلال أي من أيام الأجازة، بكتابة خطاب أو بطباعة صورة أو أي شيئ تراه قد يعبر عن حبك وتقدريك للرجل ووفاءًا منك بإسعادة والوقوف بجنابة، وأن ترسلها له في عنوان بيته، أو عنوان أهلة، أو حتى على عنوان النادي الأهلي، أو على قناة النادي الأهلي، دونما الحديث بالسياسة أو نظام الحكم، فقط لكرة القدم وأدب الرجل وأخلاقة.

وفي نهاية المقال أقول لأبو تريكة- وبالرغم من عدم معرفتي به شخصيًا – جملة من جمل الإمام الشافعي، والتي أراها فيه، ولتبقى سندًا له:

وكن رجلا على الأهوال جلدا ….. وشيمتك السماحة والوفاء

12
May

كلينتون الجعان

في تحيليل إستقالة وزير العدل

كلمة “جعان” هي الكلمة الأكثر شهرة التي يستخدمها كل شخص طبقي ضد الأخرين، وهي بالضبط محتوى ومعنى كلام وزير العدل السابق، وكذا زميلة في “القضاء الشامخ” الرئيس السابق لمحكمة جنايات القاهرة حين وصف الزبال بأنه يربي أولادة على الشحاته وقال تحديدًا “العرق دساس”.

بعد إستقالة وزير العدل، الذي قد يعتقد البعض إنها أسعدتني، أود التعقيب على ثلاثة أمور:

أولهما: أتمنى أن تتوقف الحكومة عن الكذب، فمن خبر الإستقالة – الذي نشر في جميع الصحف بنفس الكلمات والذي إنما يدل وبإختصار إنها كتبت إما في رئاسة الجمهورية أو في أحد أجهزة الأمنية- والتي كان يجب أن تكون إقالة – ولكنها كما هي عادة حاكمي البلاد لا يوجد من يقف أمام الخطأ بصلابة لتغيير واقعنا الزائف -، وأرغب هنا بدعوة سلطان البلاد والعباد وغيرهم من حاكمي هذا الزمان أن يقرأو كلمات الرجل “المستقيل بسبب زلة اللسان” وتأكيدة على أنه لم يتراجع عن موقفه وأنه عائد للقضاء ليحكم بين أناس يؤمن أن منهم الصالح والطالح بالميلاد. والمؤمن أن المساواة تكون فقط عند اتحاد المراكز القانونية، وهو الذي يذكرني بإمتياز بهذا المشهد من فيلم لينكولين.

ثانيهما: في المقال السابق وهذا المقال، أنا لا أتحدث عن إلغاء الطبقات بين البشر، فالبشر كانوا وسيظلوا كذلك، سيظل هناك الفقير والغني، الجيد والسيئ، الجميل والقبيح. لكني أتحدث  ببساطة عن أن الطبقية وإحتقار البشر لإختلافهم لكونهم أفقر، أو نساء أو مسيحين هو أمر غير صحيح وخاطئ بكل المعاني حتى وإن أختلف معي رافعي رايات النسبوية في هذا الزمان وهم كثر.

ثالثهما: بالعودة إلى الولايات المتحدة، قد لا يعلم الكثير منكم أن الرئيس الأهم في التاريخ الأمريكي “إبراهام لينكولين” كان إبن لآب مزارع فقير، ولم يتعلم، وعلم نفسه بنفسه، وكان أبوة يأجرة ليعمل لدى أخرين ويأخذ هو المردود المالي، لم يكن هذا الرجل “جعان” بالمعني المصري المريض، ولم تلمع عيناه أمام كل ما لم يراه في حياته، وهكذا أيضا فقد كان والد الرئيس “بيل كلينتون” بائع للمعدات الثقيلة، أو بكلمات أخرى “بياع في شارع السبتية” وأضحى الرجل رئيس لأكبر دولة بالعالم، وهو كذلك لك تلمع عيناه ولم ينهار ولم يكن عرقة دساس.

إن مجتمعنا يحتاج إلى إحترام المختلفين، والنظر إلى كل من يعمل بأي مجال على أنه يقدم شيئًا، لا الزبال ممتهن يستحق العطف والشفقة، فهو يقوم بما عليه أن يقوم به، وعمله ليس عيب، ولا الكاتب جالس فى تكييف، ولا رجل الأعمال ياقته بيضاء وبطنة ممتلئة بعرق العمال، ولا الفيلسوف رجل كان أو إمرأة شخص فارغ ولا يجد ما يفعله. نحتاج إلى التوقف في الحكم على الأفراد من أين هم وماذا يملكون، نحتاج أن نحكم عليهم كم حاولوا وكيف غيروا حياتهم وحياة من حولهم، نحتاج إلى الترفع عن التظاهر، ونحتاج إلى القيام بما نرتاح له والبحث عن الحق والخير والجمال. نحن نحتاج في حياتنا إلى رجال كإبراهام لينكولين أو ثاديوس ستيفنز.

11
May

شكرًا وزير العدل

حديث طبقية المجتمع المصري

كعادة اليوم بدأ مع أصوات رافع الطوب في العمارة المجاورة، ونظرات بلاتو الغارقة بالتفهم والمستعدة لتجول بداية اليوم، نزلنا أنا وهو، حدثته قائلا: هل تشعر أن الجو اليوم مختلف، أشعر كأن هناك مطر؟ كعادتة نظرإلى ولم يرد. أبقيت نظري على مكان سكن صديقة بلاتو التي تعرضت لحادث سيارة منذ أيام، علني أجدها وأطمئن، لكنا كما العادة لم تظهر.

عدنا إلى البيت، وقمنا بنفس الروتين اليومي، وبعدها ذهبت للمكتب، بمحاولة جادة لرسم وجهة غير عابس، وحين دخلت إلى المكتب سألني أحد زملائي “شفت وزير العدل الـ……. قال إيه؟” لم أرد وتوجهت لمكتبي.

وجدت بالبريد الإليكتروني، بريد من نفس الزميل، بعنوان “تصريح وزير العدل عن إبن عامل النظافة”، لم أفتحه، وذهبت كالعادة لتصفح الأخبار اليومية، وجدت أخبار عديدة عن تصريح لوزير العدل عن إنه لا يرى أن إبن عامل النظافة يجب أن يكون قاضي، وبكلمات أخرى ” يرى السيد الوزير أن إبن عامل النظافة من بيئة واطية زيادة عن اللزوم ومينفعش لأنه هينهار ومش هيكون عنده كرامة وشموخ القاضي” عدت بعدها إلى بريد زميلي لمشاهدة الفيديو ولا أخفيكم سرًا، روادتني لحظات من الغضب وعدم إستغرب لحديث الرجل.

فمن منكم لا يعلم أن المجتمع المصري هو مجتمع طبقي بإمتياز، مجتمع أغلب إن لم يكن كل من فيه – إلا من رحم ربي – لا يجد قيمه لذاته إلى من خلال رؤية الأخرين له. من منكم لم يتعامل مع أناس طبقيين؟ من منكم لم يرى ويشاهد طبقية المدافعين عن حقوق الإنسان في بلادنا؟ من منكم لا يرى أن الشخص الذي لا يتحدث غير العربية هو جاهل وقليل المعرفة ويكسف؟ من منكم لم بطلب مطعم ووجد أن المطعم لا يرد إلا بالأنجليزية؟ من منكم لم يسمع مئات المرات الحديث عن الفقراء عن أنهم دومًا تعساء؟ من منكم لم يتحدث عن الفقراء وكأنهم من أواسط أفريقيا ودافع عنهم وأرتفع صوته خارقًا كل طبقات الأرض دونما التعرف عليهم؟ من منكم لم يتعامل أو رأى من يتعامل مع الفقراء بالعطف لا الإحترام؟ من منكم لا يعلم عن المجتمعات الفقيرة غير أنهم متحرشين؟ أو أنهم يعيشون في أماكن موبوئة؟ من منكم لم يقرأ طلبات التقديم في الكليات الحربية والشرطة والنيابة والتي هي بالأصل من هم أهلك وليس من أنت؟ من منكم لم يعامل البوابين على أنهم أدنى من البشر؟ من منكم لم يخفي أو دفع الأخرين لأن يخفوا أصلهم خوفًا من نظرات وأحكام إحتقار؟ من منكم وقت المدرسة كان يتملكه الخوف حينما تظهر عائلته أمام أصدقائة؟

نعم يا سادة ويا سيدات، المجتمع المصري أسوأ المجتعمات التي رأيتها بعيني، مجتمع طبقي لعين، يجد فيه الأفراد قيمتهم في عدد الأختام والألقاب قبل إسمهم أو عدد المفاتيح الموجودة معهم، وليس في قيمتهم الشخصية وما قاموا به في حياتهم، مجتمع يقدس الإدعاء، مجتمع يحكم فيه طلبة الكليات على بعضهم البعض، ويحكم فيه من هم أعلى مجموع في الثانوية العامة على من هم أدنى، مجتمع يحكم فيه ساكني القاهرة على ساكني المحافظات، وساكني القاهرة على ساكني أطرافها، وساكني المدن الجديدة على المدن القديمة، ويضعك دومًا تحت لافته تقول “من أين أنت ومن أهلك وكم مفتاح تحمل؟”

سأنهيي هذا المقال بموقفين عن الطبقية أحدهما في مصر والأخر فى الولايات المتحدة، في مصر وهو واحد من المواقف الشخصية الكثيرة والتي لا تحصى التي رأيتها وتعرضت لها. الأول: في أحد المرات دعاني أحد الأصدقاء إلى جلسة تضم عدد من المهتمين بالتغيير، لمناقشة ما يمكن أن نقوم به سويًا، كنا نزيد عن عشرة أفراد قليلًا، كنت ذاهب أنا وصديقة لي، وحين بدأ الحديث، بدأ كل منهم يعرف عن نفسه، كل الموجودين لم يذكر أي منهم إسمة مجردًا وإنما (انا الدكتور الفلاني، أو انا طالب بالجامعة للدراسات الفلانية) وكأن أسماهم ليست كافية، كأنها أدني من أن تذكر وحيدة دونما ألقاب. أما الموقف الثاني: وهو موجه للسيد وزير العدل –الذي في الحقيقة لا أعرف ولا أود أن أعرف إسمة- يا سيدي لعلك لا تعلم -وأنا متأكد إنك لا تعلم- أن الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية بيل كلينتون هو إبن لأب بائع في أحد المحلات ويا للأسف يا سيدى لم ينهار السيد كلينتون ولم يحدث له إكتئاب نفسي نتيجه وصولة لرئاسة أكبر دولة بالعالم، ولم يفقد شموخه، بل في الحقيقة نحن من نفقد كل شيئ لكوننا في مجتمع بهذا السوء.

15
Oct

المسكوت عنه فى مستقبل العمل الأهلي

تحليل تحديات وآمال حرية التنظيم فى مصر

التمهيد والبدايات .. العلاقة مع الأمن

مع نهايات عام 2006 قررت وعدد من الأصدقاء بدأ مبادرة لم تكن تحمل آنذاك أى معالم محددة أو جادة، من جانبى كان لدى العديد من الأسباب أغلبها على ما أظن وأذكر كان بشكل غير واعي ، كقارب يسوقه التيار دونما موافقة أو إعتراض، وبقدر إدراكي آنذاك وكطبيعة البشر فى رؤية كل الخير والأمل فى كل ما هو جديد إلا أن الطريق لم يكن قطعًا كذلك.

بعد عام من هذا التاريخ، وصلنى وعدد من شركائي آنذاك، ورقة – تبدو أقرب لنهاية صفحة مقطوعة من كراسة أطفال- مكتوب عليها “إستدعاء للحضور لمقر أمن الدولة 6 أكتوبر يوم …. الساعة السابعة مساءًا”.

كانت المرة الأولى التى أذهب فيها إلى أى من مقرات أمن الدولة، كان على حينها أن أقاوم كل مشاعر الخوف، وبناء عازل داخلى ورؤية كل الجدران والكلمات وملصقات الحائط مجردة من كافة الحكايات الملتسقة بذهنى عن أمن الدولة وشهرته النافذه فى التعذيب.

مازلت أذكر معالم المكتب والصورة القرأنية الموجودة خلف الضابط وبعض من ملامحه ولكنته، وأغلب الحديث الذى دار بيننا، والطرقات الطويلة التى لا يمنكك التحرك فيها منفردًا.

خلال الأعوام التالية على هذا اللقاء، كانت دومًا ما تظهر شاشة تليفونى إتصالات من رقم مجهول، وقتها كنت أدرك أنه إتصال من الأمن، إلى أن إنتهت هذه الإتصالات مع بداية عام 2010 حينما توقفت المنظمة نسبيًا عن العمل. تغير هذا الوضع لسنة يمكن أو إثنتين، ولكنها عادت لما كانت عليه وأكثر فى قليلاً.

وبالرغم من أننى لازلت أرى أنه من الطبيعى والصحى أن يكون هناك علاقة جيدة بين الحكومة بما فيها الأمن من جانب وكافة القطاعات الأخرى الموجودة بالدولة من جانب أخر بما فى ذلك منظمات المجتمع المدني، ولكنى وبصدق لم أرى فى أى من الأيام هذه العلاقة المبنية على أهداف تضمن الحرية الفردية للمواطنين وحقهم فى تنظيم أنفسهم فى أى من أشكال المؤسسات والأحزاب والمجموعات والجمعيات، وهو ما سيدفع الأفراد على إختلافهم بمساندة الحكومة للقيام بدورها فى حماية الأرواح والممتلكات.

وإنما دومًا كانت العلاقة ولازالت تبنى على وضعية فوقية للأمن على أى قطاع أخر، وتخوين وأوامر للطرف الأخر – بما فيها المنظمات- وهو ما يضحى كصورة نظام سياسي أقرب لصور الأنظمة السياسية الموجودة فى كتابات ماريو يوسا.

نوفمبر 2014 .. موعد الإغلاق و/أو السجن

يوم الثامن العاشر من يوليو الماضى أصدرت الحكومة المصرية ممثله فى وزارة التضامن إعلان بجريدتى الأهرام والأخبار الحكوميتين يطلب من المنظمات التسجيل تحت قانون 84 لعام 2002، واضعًا مهلة تنتهى فى العاشر من نوفمبر القادم، وستقوم بعدها الحكومة بالتحرك ومساءلة هذه المنظمات بالتشريعات والقوانين ذات الصلة، كما ورد فى بيان الوزارة.

قامت الحكومة وكما هى العادة خلال الشهور الماضية بدفع الأمن للتعامل وإيصال رسائل مختلفة لنا كمنظمات مستقلة تعمل بشفافية وتعلن عن كافة اعمالها وتموليها ولكنها لا تدخل ضمن إطار وزارة التضامن وتحت قانون 84 لعام 2002 حيث أن الجميع يعلم أن وقت التسجل هو وقت وفاة المنظمة كونها تصبح بعدها فعليًا جزء من الكيان الحكومى.

كانت الرسائل منها ما هو بشكل صريح كأن يقال “سجلوا أو أقفلوا … مش هنقدر نعمل لكم أى حاجة … القرار جاى من فوق وإحنا مفيش فى إيدينا حاجة نعملها” أو كأن يقال ” لو عاوز نصيحة منى … أحسنلك تسجل” أو حتى كأن يقال “كفاية بقى شركات وفلوس داخلة وخارجة … مفيش شركات تانى وهتتقل يعنى هتتقفل”

هذا بخلاف الرسائل التى ذكرت بوسائل الإعلام المختلفة، كالعديد من المقالات والتحقيقات التى تتحدث الدور الخفى والتدميرى لمنظمات المجتمع المدني، وكثير من حديث المؤامرة –المتصل فى العقل المصري منذ أربعينات القرن المنصرم- الذي يوصفنا بأننا عملاء لدول أخرى، وتصريحات مباشرة حتى من وزيرة التضامن نفسها حول أن “الوزارة لن تتخلى عن مراقبة التميل الأجنبي”.

كثيرُا ما يطالعنى وزملائي بالمركز المصري لدراسات السياسات العامة، العديد من الأسئلة حول إختياريتنا ومستقبلنا وعادة ما تزيد هذه التساؤلات فى وقت الشدة، فبين ضغوط من نعرفهم ولا يقدرون ما نقوم به بل وأحيانًا يزدروننا ويهاجموننا على قيامنا به، أو على الأقل يسخرون منا معلقين بأننا أغبياء أو مدعيين، وبين الضغوط المادية والعامة اليومية، لا يبقى إلا قليل من الصبر وكلمات لعلى بن أبى طالب تطرق عقلى “الصبر صبران .. صبر على ما تكره وصبر على ما تحب”

أخرك هاشتاج ورتويت

فى بلاد كبلادنا والتى يعد فيها “النضال” أو الإصلاح بكلمة أكثر عقلانية ونضج، هو الجلوس أطول فترة ممكنه أمام توتير أو فيسبوك، والبكاء أو حتى تحليل وإدعاء عدم الجهل خلف شاشة وفى إنعزال تام عن أى شيئ بالكون، وإدعاء الحزن على من ماتوا فقدوا أو سجنوا – كى يكون متجاوبًا مع من هم حوله – على أن ينتهى كل ذلك بعدها بدقائق أو بساعات بحد أقصى.

فى هذا السياق الذي تتشابك فيه المشكلات بحيث يبدو أحيانًا من المستحيل إصلاحها، يبدو أمام أى منا إختيار من إثنين إما طريق باسم يوسف أو أحمد سيف الإسلام.

الأول وبكل وضوح أدرك وبعد تحليل منطقى يجيب على كافة الأسئلة أن الفرص ضئيلة جدًا، وأن أى محاولة ستكون غير ذات معنى، وإنه لا يطيق مع هذه الضغوط صبرًا، أما الثانى فقرر أن يفنى حياته محاولًا إصلاح ما يمكنه إصلاحه، فمات وحيدًا فى مستشفى وأبنائه بالسجن يستنجدون برأفه من يمكنه السماح لهم بالخروج.

الإختيارات متاحة وموجود منها مئات الحالات لن نكون أول من نختار أى منهم، وكما قال لى أحد الأصدقاء “أى حد يزايد عليك حط صباعك فى عينية ..  هو فى النهاية مش هيدخل السجن أو يتعذب مكانك”

سؤال البقاء والرحيل

بتحليل كيفية إتخاذ القرار فى مصر ومحاولة فهم دوافع ومبادئ وخلفية النظام الحالي وحتى اهدافه، ومحاولة قراءة التاريخ المعاصر فى مصر والتحديات الإقتصادية الحالية والعلاقات الدولية والتحديات فى المنطقة وإهتمام الغرب المنحصر بعدد من مواطنيهم الذين يحاربون ضمن صفوف داعش. بالنظر إلى كل هذه العوامل تبدو معها الفرص ضعيفة جدًا لوجود حقيقى ومؤثر للمجتمع المدني فى المستقبل المصري.