Skip to content

Posts from the ‘فلسفة – تاريخ’ Category

19
May

سأجعله سعيدًا

عن أهمية التضامن الإنساني مع محمد أبو تريكة

في أوائل التسعينات، داخل شقة صغيرة في قرية معظم قاطنيها من الفلاحين – تراهم يمرون في أول النهار وأخره يتقدمون بهائمهم- وعدد ضئيل من العمال والموظفين العمومين وعلائتهم.

كنت أنا وأخي ووالدي، برقاب معلقة لأعلى وأعين لا تبتعد عن شاشة التليفزيون جالسون على الأرض وسط الكثير من عيدان القصب ، أخى ووالدي لم تبعتد أعينهم عن الشاشة – فقد كانت مباراة لكرة القدم بين المنتخب المصري ومنتخب أخر- أما أنا فكنت أكثر تركيزًا مع القصب ومع أصواتهم التي ترتفع بين الحين والأخر. لم أفهم ما الشيق في هذه اللعبة، فقد كانت غامضة وأحيانًا سيئة.

بعد عشرة سنوات على هذا الموقف وخلال الدراسة بالجامعة، وجدتني أتابع الدوري المصري- وللحق فقد غمرتني كرة القدم- ومن يومها وأنا أجد مشاهدة مباراة واحدة من مسببات الدهشة والسعادة. وقتها كان محمد أبو تريكة قد بدأ نجمة، وخلال متابعتي للدوري المصري كان محمد أبو تريكة “الإرهابي” واحد من أكثر لاعبي مصر إمتاعًا.

الأسبوع الماضي أعلنت السلطات المصرية أو القضاء – على قدر تفضيلك وتحليلك- تجميد أموال محمد أبو تريكة، لأنة وببساطة يدعم الإرهاب، وبالرغم من الأسئلة الكثيرة حول جدية وكفاءة التحليل والمعلومات المؤدية للقرار، وإن كان له بعد سياسي من عدمه، وإن كان عقابًا للرجل على مساندته لمحمد مرسي، أو إن كان بداية لحقبة جديدة، وإن كان مجاملة من القضاة أنفسهم فيكونوا كالدبة التي قتلت صاحبها.

كل هذا في الحقيقة لا يعنيني، فهذا المقال لن يناقش مدى نزاهه القضاء المصري، أو مدى كفاءة أجهزة الشرطة في رصد المجموعات الإرهابية دونما الضرر بحريات المواطنين وممتلكاتهم، أو حتى تحليل أن مساندة والدفاع عن أبو تريكة هي دفاع عن الإرهاب ومهاجمة للنظام والمصالح المصرية.

هذا المقال هو أقرب للدعم الإنساني – والذي نفتقد لوجوده فى مجتمعنا – حينما جائتنى فكرة كتابته، كنت وكما العادة مع الصديق الأوفى بلاتو نعبر شوارع وسط القاهرة الفارغة من المارة والمحلات والخلق الباحثين عن الرزق.

كنت في غاية الضيق على حال الذين يسعدوننا ونذبحهم بدم بارد على المستويين الخاص والعام. تذكرت حال الرئيس/ محمد نجيب وحجزه ببيته ما يزيد عن عشرون عامًا دونما حتى أن يتمكن من حضور جنازة ولدة. تذكرت حال الفريق/ سعد الدين الشاذلي ومعاقبته على رؤيته وأرائة، تذكرت مصطفى النحاس، وأحمد سيف الإسلام عبد الفتاح وعدم  تقدير كل ما قام به من أجل بلادنا، والممثلين محمد فوزي وإسماعيل يس، وغيرهم مئات الحالات –والتي حتى لا أتفق معهم فكريًا ولكني لا أرى سبيل لحياتنا في إتعاسهم- التي إنتهت حياتها ببؤس بعدما أضافوا شيئ سعيد في حياتنا، وإنتهت حياتهم في فقر مدقع نتيجه لقرارت غبية كتلك التي تقوم بها الحكومة المصرية الأن، تذكرت كيف مرت حياة هولاء الأفراد دونما أن يساندهم أحد، إما عن نسيان وإما عن إنشغال.

كانت الفكرة في البداية أن أكتب عن حملة يقوم بها كل فرد يؤمن بسماحة ونقاء هذا الرجل، أن يدفع عشرة جنيهات –كرمز ومساندة مالية- وتجميع هذه الأموال لصالح أبو تريكة – فالدولة أخذت أمواله ومن يعلم إن كانت ستعود أم لا ومتى – ولكني عدلت عن الفكرة لكثرة التعقيدات الموجودة بها – وإمكانية تحميل منفذيها لمشكلات أمنية وزيادة المشكلة لا حلها- وبعدما قرأت حوار محمد أبو تريكة ذاته في جريدة الأهرام والتي جعلتني أشعر أن هناك أمل للرجل في إسترداد أمواله، وأن محاولتنا في مساندته ماليًا قد تعود عليه بضرر أكثر من نفع.

بعدها تحولت الفكرة في رأسي وإستلهمتها من كثير من الأفلام الأمريكية التي يقوم خلالها المجتمع بالقيام بمساندة إنسانية لشخص يؤمنون به – مساندة في هدوء وبعيد عن الإدعاء- وهي بإختصار أن يقوم الأفراد بإرسال خطابات تحمل ما تحمل من صور، خطابات مكتوبة، هدايا من أي نوع، يعبرون من خلالها عن تضامنهم مع هذا الشخص وعن حبهم له.

وهو ما أدعوكم إليه، أن تقوم/ي خلال أي من أيام الأجازة، بكتابة خطاب أو بطباعة صورة أو أي شيئ تراه قد يعبر عن حبك وتقدريك للرجل ووفاءًا منك بإسعادة والوقوف بجنابة، وأن ترسلها له في عنوان بيته، أو عنوان أهلة، أو حتى على عنوان النادي الأهلي، أو على قناة النادي الأهلي، دونما الحديث بالسياسة أو نظام الحكم، فقط لكرة القدم وأدب الرجل وأخلاقة.

وفي نهاية المقال أقول لأبو تريكة- وبالرغم من عدم معرفتي به شخصيًا – جملة من جمل الإمام الشافعي، والتي أراها فيه، ولتبقى سندًا له:

وكن رجلا على الأهوال جلدا ….. وشيمتك السماحة والوفاء

12
May

كلينتون الجعان

في تحيليل إستقالة وزير العدل

كلمة “جعان” هي الكلمة الأكثر شهرة التي يستخدمها كل شخص طبقي ضد الأخرين، وهي بالضبط محتوى ومعنى كلام وزير العدل السابق، وكذا زميلة في “القضاء الشامخ” الرئيس السابق لمحكمة جنايات القاهرة حين وصف الزبال بأنه يربي أولادة على الشحاته وقال تحديدًا “العرق دساس”.

بعد إستقالة وزير العدل، الذي قد يعتقد البعض إنها أسعدتني، أود التعقيب على ثلاثة أمور:

أولهما: أتمنى أن تتوقف الحكومة عن الكذب، فمن خبر الإستقالة – الذي نشر في جميع الصحف بنفس الكلمات والذي إنما يدل وبإختصار إنها كتبت إما في رئاسة الجمهورية أو في أحد أجهزة الأمنية- والتي كان يجب أن تكون إقالة – ولكنها كما هي عادة حاكمي البلاد لا يوجد من يقف أمام الخطأ بصلابة لتغيير واقعنا الزائف -، وأرغب هنا بدعوة سلطان البلاد والعباد وغيرهم من حاكمي هذا الزمان أن يقرأو كلمات الرجل “المستقيل بسبب زلة اللسان” وتأكيدة على أنه لم يتراجع عن موقفه وأنه عائد للقضاء ليحكم بين أناس يؤمن أن منهم الصالح والطالح بالميلاد. والمؤمن أن المساواة تكون فقط عند اتحاد المراكز القانونية، وهو الذي يذكرني بإمتياز بهذا المشهد من فيلم لينكولين.

ثانيهما: في المقال السابق وهذا المقال، أنا لا أتحدث عن إلغاء الطبقات بين البشر، فالبشر كانوا وسيظلوا كذلك، سيظل هناك الفقير والغني، الجيد والسيئ، الجميل والقبيح. لكني أتحدث  ببساطة عن أن الطبقية وإحتقار البشر لإختلافهم لكونهم أفقر، أو نساء أو مسيحين هو أمر غير صحيح وخاطئ بكل المعاني حتى وإن أختلف معي رافعي رايات النسبوية في هذا الزمان وهم كثر.

ثالثهما: بالعودة إلى الولايات المتحدة، قد لا يعلم الكثير منكم أن الرئيس الأهم في التاريخ الأمريكي “إبراهام لينكولين” كان إبن لآب مزارع فقير، ولم يتعلم، وعلم نفسه بنفسه، وكان أبوة يأجرة ليعمل لدى أخرين ويأخذ هو المردود المالي، لم يكن هذا الرجل “جعان” بالمعني المصري المريض، ولم تلمع عيناه أمام كل ما لم يراه في حياته، وهكذا أيضا فقد كان والد الرئيس “بيل كلينتون” بائع للمعدات الثقيلة، أو بكلمات أخرى “بياع في شارع السبتية” وأضحى الرجل رئيس لأكبر دولة بالعالم، وهو كذلك لك تلمع عيناه ولم ينهار ولم يكن عرقة دساس.

إن مجتمعنا يحتاج إلى إحترام المختلفين، والنظر إلى كل من يعمل بأي مجال على أنه يقدم شيئًا، لا الزبال ممتهن يستحق العطف والشفقة، فهو يقوم بما عليه أن يقوم به، وعمله ليس عيب، ولا الكاتب جالس فى تكييف، ولا رجل الأعمال ياقته بيضاء وبطنة ممتلئة بعرق العمال، ولا الفيلسوف رجل كان أو إمرأة شخص فارغ ولا يجد ما يفعله. نحتاج إلى التوقف في الحكم على الأفراد من أين هم وماذا يملكون، نحتاج أن نحكم عليهم كم حاولوا وكيف غيروا حياتهم وحياة من حولهم، نحتاج إلى الترفع عن التظاهر، ونحتاج إلى القيام بما نرتاح له والبحث عن الحق والخير والجمال. نحن نحتاج في حياتنا إلى رجال كإبراهام لينكولين أو ثاديوس ستيفنز.

10
May

ما نيل المطالب بالتمني

بين الأفكار المجردة والمواقف الإنسانية

منذ أيام في جلسة مع أحد الأصدقاء وحين سألته عن حال أخوه بالجيش، كان رده “أخويا كلمني من كام يوم وقالي إنه إتطلب منه إنه يستعد للسفر، وطلب مني أني مقولش لأمي علشان متزعلش” لا أخفي عليكم سرًا، لم أفرح كثيرًا لهذه الأخبار، بل في الواقع رحت أتأمل حال هذا الشاب وهذه العائلة وهذه الأم.

دفعني هذا الحديث إلى إهتزاز أفكاري المجردة مع أول موقف إنساني لأناس أعلمهم وعائلة أعرفها. فكرت طويلًا، في ما إن كنت أستطيع تحمل العبئ الأخلاقي في الدفاع عن حرب سنفقد فيها من نفقد من شباب لا حول لهم ولا قوة.

العالم دومًا ما يضعنا بين أمرين لا ثالث لهما، وهما الإختيار بين أحد الشرين، وهما( الشر الأعظم والشر الأدنى) وحينها ينقسم البشر إلى نوعين أيضا لا ثالث لهما؛ أولهما: رومانسي رديكالي لا يختار أي منهم ويود أن يخلق شر ثالث، أو بعبارة أخرى كما قال أحد فلاسفة اليسار موشي هس “إن المسيحين يتخيلوا أن المستقبل الجيد للإنسانية هو في الجنة، نحن سنخلق هذه الجنة على الأرض”. ثانيهما: من يختار الشر الأدنى ويتحمل معه العبئ الأخلاقي والمسؤولية الناتجة عن هذا الإختيار، وهم كثر إلا في بلادنا.

ونظرًا لطبيعتى في قبول العالم ومحاولة تغييره قدر المستطاع، وتقبل حقيقة الهزائم التي هي أكبر وأعمق بكثير من أي نجاح، مستندًا في ذلك على الحياة الشخصية للوقوف أمام الهزائم العامة.

ولما كنت وللوقت الحالي، لازالت الأفكار المجردة والموقف الإنساني بداخلي لكل منهم وجاهته وبعد قرأة خبر اليوم أن السعودية تعلن وصول طلائع قوات ماليزية للمشاركة في الحرب، أحسست أن أخبار كهذه هي سبب رئيسي للتردد المصري وعدم الثبات والوضوح، فأردت أن أشارككم التحليل الممكن لحالة اليمن والموقف المصري منها.

وهنا دعونا نتشارك في إجابة السؤال الرئيسي وهو: لماذا على مصر المشاركة في الحرب؟ وما الفوائد؟ يمكننا حصر الأسباب في أربعة وهم: 1) إن لم تدخل مصر الحرب سيدخل غيرها وحينها سيتم خلق منافس حقيقي وواضح لمصر في المنطقة والدور الذي يجب أن تكون عليه في المستقبل. 2) منذ 30 من يونيو والدولة المصرية لم تتعرض لأزمات إقتصادية ومجتمعية كبرى والسبب الرئيسي هو الدعم الخليجي. 3) مصر لديها عمالة ومصالح إقتصادية عريضة مع الخليج ويجب الحفاظ عليها. 4) مصر في الوقت الحالي في وضع ضعيف والمنطقة تتشكل فيها تحالفات أحدمها بقيادة السعودية والأخر بقيادة إيران وثالث تحاول فيه تركيا، ومن غير العقل عدم وضع مصر كلاعب رئيسي في هذه الحالة.

على الجانب الأخر، سيكون هناك أضرار على المستوى البشري وكذا على المستويين السياسي والمجتمعي من عدم إستقرار وعدم تفهم لدخول مصر لحرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فلا أحد يعلم أي شيئ عن اليمن وكل الأسباب التي تساق من الدولة في حقيقتها واهية ولا يمكنها خلق توافق مجتمعي أو حتى قبول لصانعي القرار.

في النهاية لا زالت أرى أن دخول أى حرب هو أمر ليس جيد ولا أتمناه على المستوى الشخصي والإنساني، ولكن وكما ذكرت لكم العالم ليس بالجودة التي نتمناها، ولازال رأيي أن دخول مصر الحرب بموقف ثابت، واضح وراسخ هو أمر سيئ ولكنه يمثل الشر الأدنى. وبإختصار علينا التعامل معه ومحاولة تقليل أثارة السيئة  وخلق مساحة رئيسية مع التفاهم تحديد  للدور الواجب أن تكون عليه  مصر في مستقبل المنطقة.

وتقليل الأضرار لن يتأتي دونما شعور المصريين أن مصر هي بلادهم، وأنه يمكنهم أن يصلحوا فيها ما يستطيعوا، وأن لهم فيها “لقمة عيش” وأن يتحدث معهم الحكومة والرئيس وتقدم لهم كافة البيانات والمعلومات الممكنة عن مسألة اليمن، دونما تضليل. وقتها سيشعر المواطنون أنهم يدافعون عن وطن لهم فيه ناقة وجمل وحياة لا مواطنون منساقون كالعبيد.

1
Jan

المدن

عن هيجل

عندما بدأ الناس الحياة فى المدن، لم يفكر أحًد فى تخطيط المدن، بل قاموا فقط بإنشاء منازلهم ومتاجرهم ومصانعهم فى أى مكان بدا لهم أكثر ملائمة.

نمت المدن بطريقة فوضوية تمامًا. ثم أتى شخص ما وقال: “هذا أمر سيئ! نحن لا نفكر بشأن المظهر الذي نرغب فى أن تبدو عليه مدننا. حياتنا تحكمها المصدافة! نحتاج شخصًا ما لتخطيط مدننا، ليجعلها تتماشى مع تصورنا للجمال والحياة الجيدة”.

وهكذا ظهر مخططو المدن، الذين أزالوا الأحياء القديمة وأنشئوا مباني سكنية عالية عصرية، يحيط بها طوق من المروج الخضراء. وتم توسيع الطرق وتسويتها، ووضع المصانع بعناية بعيدًا عن المناطق السكنية. ثم جلس مخططو المدن فى انتظار أن يشكرهم الناس، لكن الناس تذمروا؛ لأنهم عندما ينظرون من شققهم المرتفعة لا يتمكنون من رؤية أطفالهم وهم يلعبون فى المروج التي تبعد مسافة عشرة أدوار عنهم؛ تذمروا لافتقادهم المتاجر الصغيرة المحلية، ولأن المسافة كانت بعيدة ليعبروا كل هذه المروج الخضراء وأماكن انتظار السيارات ليصلوا إلى مراكز التسوق: تذمروا لأنة نتيجة لاضطرار كل شخص الآن أن يقود سيارته إلى العمل، أصبحت تلك الطرق المستوية الواسعة الجديدة تعاني من اختناق مرور، وأسوأ من كل ذلك، أنهم تذمروا لأن أحدًا لم يعد يسير فى الشوارع؛ مما جعل الشوارع غير آمنه، وأصبح السير عبر هذه المروج الخضراء الفاتنة بعد أن يحل الظلام أمرًا خطيرًا.

ولذلك تم الاستغناء عن مخططي المدن القدامى، وظهر جيل جديد من مخططي المدن، كان قد تعلم من أخطاء سابقيهم. وأول ما قام به مخططوا المدن الجدد هو وقف هدم الأحياء القديمة.

وبدلًا من هذا، بدءوا ملاحظة السمات الإيجابية فى المدن القديمة غير المخططة، وراقتهم الآفاق المتععدة للشوراع الضيقة غير المستوية، ولاحظوا كيف كان ملائما وجود متاجر ومساكن وحتى مصانع صغيرة بعضها بجانب بعض، كما ولاحظوا كيف حدت هذه الشوارع من حركة المرور، وشجعت الناس على السير، وجعلت مركز المدينة نشطًا وآمنًا. وهذا لا يعني أن إعجابهم بالمدن القديمة غير المخططة كان بلا تحفظات؛ فكان هناك بعض الأشياء التى تحتاج إلى تنظيم، فتم نقل بعض الصناعات المزعجة على وجه الخصوص من المناطق السكنية، وتم ترميم العديد من المباني القديمة أو إحلال مبان بدلًا منها تتماشى مع البيئة المحيطة.

ومع ذلك فإن ما اكتشفة مخططوا المدن الجدد هو أن المدن القديمة كانت جيدة، وهذا هو العامل الذي يجب الحفاظ عليه، بصرف النظر عن الإصلاحات التى قد تظل مرجوة.

15
Oct

المسكوت عنه فى مستقبل العمل الأهلي

تحليل تحديات وآمال حرية التنظيم فى مصر

التمهيد والبدايات .. العلاقة مع الأمن

مع نهايات عام 2006 قررت وعدد من الأصدقاء بدأ مبادرة لم تكن تحمل آنذاك أى معالم محددة أو جادة، من جانبى كان لدى العديد من الأسباب أغلبها على ما أظن وأذكر كان بشكل غير واعي ، كقارب يسوقه التيار دونما موافقة أو إعتراض، وبقدر إدراكي آنذاك وكطبيعة البشر فى رؤية كل الخير والأمل فى كل ما هو جديد إلا أن الطريق لم يكن قطعًا كذلك.

بعد عام من هذا التاريخ، وصلنى وعدد من شركائي آنذاك، ورقة – تبدو أقرب لنهاية صفحة مقطوعة من كراسة أطفال- مكتوب عليها “إستدعاء للحضور لمقر أمن الدولة 6 أكتوبر يوم …. الساعة السابعة مساءًا”.

كانت المرة الأولى التى أذهب فيها إلى أى من مقرات أمن الدولة، كان على حينها أن أقاوم كل مشاعر الخوف، وبناء عازل داخلى ورؤية كل الجدران والكلمات وملصقات الحائط مجردة من كافة الحكايات الملتسقة بذهنى عن أمن الدولة وشهرته النافذه فى التعذيب.

مازلت أذكر معالم المكتب والصورة القرأنية الموجودة خلف الضابط وبعض من ملامحه ولكنته، وأغلب الحديث الذى دار بيننا، والطرقات الطويلة التى لا يمنكك التحرك فيها منفردًا.

خلال الأعوام التالية على هذا اللقاء، كانت دومًا ما تظهر شاشة تليفونى إتصالات من رقم مجهول، وقتها كنت أدرك أنه إتصال من الأمن، إلى أن إنتهت هذه الإتصالات مع بداية عام 2010 حينما توقفت المنظمة نسبيًا عن العمل. تغير هذا الوضع لسنة يمكن أو إثنتين، ولكنها عادت لما كانت عليه وأكثر فى قليلاً.

وبالرغم من أننى لازلت أرى أنه من الطبيعى والصحى أن يكون هناك علاقة جيدة بين الحكومة بما فيها الأمن من جانب وكافة القطاعات الأخرى الموجودة بالدولة من جانب أخر بما فى ذلك منظمات المجتمع المدني، ولكنى وبصدق لم أرى فى أى من الأيام هذه العلاقة المبنية على أهداف تضمن الحرية الفردية للمواطنين وحقهم فى تنظيم أنفسهم فى أى من أشكال المؤسسات والأحزاب والمجموعات والجمعيات، وهو ما سيدفع الأفراد على إختلافهم بمساندة الحكومة للقيام بدورها فى حماية الأرواح والممتلكات.

وإنما دومًا كانت العلاقة ولازالت تبنى على وضعية فوقية للأمن على أى قطاع أخر، وتخوين وأوامر للطرف الأخر – بما فيها المنظمات- وهو ما يضحى كصورة نظام سياسي أقرب لصور الأنظمة السياسية الموجودة فى كتابات ماريو يوسا.

نوفمبر 2014 .. موعد الإغلاق و/أو السجن

يوم الثامن العاشر من يوليو الماضى أصدرت الحكومة المصرية ممثله فى وزارة التضامن إعلان بجريدتى الأهرام والأخبار الحكوميتين يطلب من المنظمات التسجيل تحت قانون 84 لعام 2002، واضعًا مهلة تنتهى فى العاشر من نوفمبر القادم، وستقوم بعدها الحكومة بالتحرك ومساءلة هذه المنظمات بالتشريعات والقوانين ذات الصلة، كما ورد فى بيان الوزارة.

قامت الحكومة وكما هى العادة خلال الشهور الماضية بدفع الأمن للتعامل وإيصال رسائل مختلفة لنا كمنظمات مستقلة تعمل بشفافية وتعلن عن كافة اعمالها وتموليها ولكنها لا تدخل ضمن إطار وزارة التضامن وتحت قانون 84 لعام 2002 حيث أن الجميع يعلم أن وقت التسجل هو وقت وفاة المنظمة كونها تصبح بعدها فعليًا جزء من الكيان الحكومى.

كانت الرسائل منها ما هو بشكل صريح كأن يقال “سجلوا أو أقفلوا … مش هنقدر نعمل لكم أى حاجة … القرار جاى من فوق وإحنا مفيش فى إيدينا حاجة نعملها” أو كأن يقال ” لو عاوز نصيحة منى … أحسنلك تسجل” أو حتى كأن يقال “كفاية بقى شركات وفلوس داخلة وخارجة … مفيش شركات تانى وهتتقل يعنى هتتقفل”

هذا بخلاف الرسائل التى ذكرت بوسائل الإعلام المختلفة، كالعديد من المقالات والتحقيقات التى تتحدث الدور الخفى والتدميرى لمنظمات المجتمع المدني، وكثير من حديث المؤامرة –المتصل فى العقل المصري منذ أربعينات القرن المنصرم- الذي يوصفنا بأننا عملاء لدول أخرى، وتصريحات مباشرة حتى من وزيرة التضامن نفسها حول أن “الوزارة لن تتخلى عن مراقبة التميل الأجنبي”.

كثيرُا ما يطالعنى وزملائي بالمركز المصري لدراسات السياسات العامة، العديد من الأسئلة حول إختياريتنا ومستقبلنا وعادة ما تزيد هذه التساؤلات فى وقت الشدة، فبين ضغوط من نعرفهم ولا يقدرون ما نقوم به بل وأحيانًا يزدروننا ويهاجموننا على قيامنا به، أو على الأقل يسخرون منا معلقين بأننا أغبياء أو مدعيين، وبين الضغوط المادية والعامة اليومية، لا يبقى إلا قليل من الصبر وكلمات لعلى بن أبى طالب تطرق عقلى “الصبر صبران .. صبر على ما تكره وصبر على ما تحب”

أخرك هاشتاج ورتويت

فى بلاد كبلادنا والتى يعد فيها “النضال” أو الإصلاح بكلمة أكثر عقلانية ونضج، هو الجلوس أطول فترة ممكنه أمام توتير أو فيسبوك، والبكاء أو حتى تحليل وإدعاء عدم الجهل خلف شاشة وفى إنعزال تام عن أى شيئ بالكون، وإدعاء الحزن على من ماتوا فقدوا أو سجنوا – كى يكون متجاوبًا مع من هم حوله – على أن ينتهى كل ذلك بعدها بدقائق أو بساعات بحد أقصى.

فى هذا السياق الذي تتشابك فيه المشكلات بحيث يبدو أحيانًا من المستحيل إصلاحها، يبدو أمام أى منا إختيار من إثنين إما طريق باسم يوسف أو أحمد سيف الإسلام.

الأول وبكل وضوح أدرك وبعد تحليل منطقى يجيب على كافة الأسئلة أن الفرص ضئيلة جدًا، وأن أى محاولة ستكون غير ذات معنى، وإنه لا يطيق مع هذه الضغوط صبرًا، أما الثانى فقرر أن يفنى حياته محاولًا إصلاح ما يمكنه إصلاحه، فمات وحيدًا فى مستشفى وأبنائه بالسجن يستنجدون برأفه من يمكنه السماح لهم بالخروج.

الإختيارات متاحة وموجود منها مئات الحالات لن نكون أول من نختار أى منهم، وكما قال لى أحد الأصدقاء “أى حد يزايد عليك حط صباعك فى عينية ..  هو فى النهاية مش هيدخل السجن أو يتعذب مكانك”

سؤال البقاء والرحيل

بتحليل كيفية إتخاذ القرار فى مصر ومحاولة فهم دوافع ومبادئ وخلفية النظام الحالي وحتى اهدافه، ومحاولة قراءة التاريخ المعاصر فى مصر والتحديات الإقتصادية الحالية والعلاقات الدولية والتحديات فى المنطقة وإهتمام الغرب المنحصر بعدد من مواطنيهم الذين يحاربون ضمن صفوف داعش. بالنظر إلى كل هذه العوامل تبدو معها الفرص ضعيفة جدًا لوجود حقيقى ومؤثر للمجتمع المدني فى المستقبل المصري.